mardi 16 septembre 2008

حصاد السبع العجاف





سبتمبر 2001- سبتمبر 2008
حصاد السبع العجاف




عدنان المنصر

مقال صادر بصحيفة الموقف التونسية العدد 465 بتاريخ 19 سبتمبر 2008

وبصحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 24 أكتوبر 2008

قبيل الحادي عشر من سبتمبر من سنة 2001، لم يكن أحد يتوقع أن يرى أمريكا تقصف في عقر دارها وأحد أهم رموزها ينهار تحت وطأة عملية لم تعوزها الجرأة ولا حسن التنظيم. من منا لم تهزه تلك المشاهد ولم تنطلق داخله بعض أحاسيس الشماتة لرؤية أمريكا الجريحة ذليلة منكسرة ولو لبعض الوقت؟ منذ ذلك الوقت يبدو أن أشياء كثيرة تغيرت، فتلك العملية، بغض النظر عن توصيفاتها المختلفة، لم تزد واقعنا إلا سوءا وأمريكا إلا صلفا والإستبداد إلا عنفوانا.

سبع سنوات مرت منذ تلك الهجمات التي بإمكاننا القول اليوم بانها، مثل التي جاءت من بعدها، كانت "إرهابية". ليس المقصود هنا إطلاق حكم أخلاقي قيمي عليها بل توصيفها سياسيا بالإستناد إلى المفهوم الأكثر حيادية للإرهاب، وهو العمل الذي يهدف، عن طريق عمل فجئي وعنيف ومعد بسرية، إلى إحداث تغيير في سياسات الدول أو المجموعات. هل بإمكاننا اليوم أن نرى ما إذا حققت تلك الهجمات أهدافها المضمنة في تعريف "الإرهاب" ذاك؟ على الرغم من أن الكثير من المحرجين يحاولون تأجيل الأمر بداعي "الغموض" و"الطابع الوقتي" للتوازنات الراهنة، إلا أن الأمر أكثر بساطة ووضوحا وشؤما مما يحاولون الفرار منه. إذا كان المقصود من "إحداث تغيير في سياسات الدول والمجموعات" يعني، من ضمن ما يعنيه، اشتداد الهجوم علينا من قبل الدول التي استهدفتها تلك الهجمات، فإن النجاح كامل وباهر. إن جردا بسيطا للحساب يعطينا تقييما بديهيا للوصفة السحرية التي ابتدعها منظموا ومساندوا ومنظروا تلك الهجمات: منذ ذلك الحين أعيد احتلال بلاد كان يظن أنها تحررت، واحتلت بلاد كان يعتقد أنها البوابة الشرقية لعالمنا العربي، وتركز تأثير الأجهزة السرية والعلنية الأمريكية في كل بلادنا بلا استثناء. من سوء الحظ أننا، في خضم الواقع الناشئ عن "الحرب ضد الإرهاب" قد أضحينا أكثر ضعفا ودونية مما كان عليه الأمر قبل تلك الهجمات، ولا يبدو أن اتجاه البخار سينقلب في المدى القريب، مهما اجتهد الظواهري لإقناعنا بذلك. قبل عشر سنوات من تلك الأحداث كان الغرب قد أفاق على تبخر العدو الإستراتيجي الذي قامت على مواجهته كل السياسة العسكرية والجهد الديبلوماسي لدول الغرب الرأسمالي مجتمعة منذ الحرب العالمية الثانية. لم نكن نتوقع أن يجد الغرب عدوا استراتيجيا جديدا بمثل تلك السرعة وأن ينجح في تجيير كل السياسة الدولية ضده. وفي المقابل فقد بدت القاعدة كمن يفقد ميدانا ويكسب آخر، في حرب مواقع غير تقليدية لم تشهد البشرية مثيلا لها طيلة وجودها. منحت العولمة للطرفين المتصارعين أدوات تقاتل جديدة زالت معها الحدود وتبخرت السيادات. أصبح عاديا أن نتقبل نبأ قصف طائرات أمريكية لأهداف إرهابية في اليمن أو باكستان، وأن نتقبل في الآن نفسه أن تضرب القاعدة في أماكن لم نحسب أن لها وزنا في خريطة الصراع الجديد. حيث ما قلبت الأمر وجدته محبطا. كم عدد "الإرهابيين" الحقيقيين الذين طالتهم العمليات العسكرية والأمنية الغربية؟ وفي المقابل كم عدد "أعداء الأمة" الحقيقيون الذين طالتهم عمليات القاعدة؟ لا يبدو أن لذلك قيمة تذكر في نظر الطرفين، فالهدف لم يكن مطلقا، فيما يبدو، التفريق بين العدو الحقيقي وضحايا الصدفة. الأمريكيون وجدوا بعض الحل لمشكل التصنيف ذاك، فقد أصبحت بياناتهم منذ مدة تتحدث عن "الإرهابيين المفترضين"، أما الطرف المقابل فيقوم بتوزيع أوسمة الشهادة التي لا يبدو أنها تغير في واقع الضحايا شيئا. من اللافت أن كلا الطرفين وجدا الحل نفسه ، ففي حين يضع الأول الأمر على عاتق حسن النية، فإن الثاني يعول على تفهم الله لأخطاء المنفذين.
كم كنا نود أن يأخذ الصراع شكله العتيق الذي تعودنا عليه، دول تتصارع، دول تساند هذا الطرف أو ذاك، وأخرى تتفرج. لنعترف أن لا تقليدية الصراع الراهن أمر يرهقنا أشد الإرهاق. فعلاوة على طابعه غير المحسوس غالبا، يضعنا هذا الصراع في الموقعين المتقابلين في الآن نفسه: نرفض أساليب "الإرهاب" وتبريراته لأننا ندفع من حياتنا ثمنها القاسي، ولكننا نتحمل بعض وزره لأننا ننتمي، شئنا أم أبينا، إلى نفس الثقافة التي يقال لنا أنها أنتجت من جملة ما أنتجت، "الإرهاب". بالنسبة "للإرهاب" نحن مشبوهون. بالنسبة لمحاربيه، لسنا في محل أقل شبهة إطلاقا. كم تبدو مضنية وضعيتنا فنحن فيما يبدو لا قدرة لنا على اختيار موقعنا، وإذا ما قدر لنا أن نختاره فإننا نجني به عداء الجميع في الوقت نفسه. إننا ببساطة القدر نتلقى الضربات من الجانبين، هل سلط علينا حكم بات بأن نكون إما إرهابيين وإما عملاء للغرب؟ الأمر يتخطى الواقعية ولكنه، في بعده القاسي، واقعي كأبشع ما يكون الواقع.
هل نريد من التصريح بعدم رضانا عن موقعنا أن يحيدنا الجميع وأن نواصل حياتنا كما كانت، دون رجات ولا أزمات؟ المسالة، برغم التوصيف بالإنتهازية الذي قد لا ننجو منه، أعقد من ذلك. مأتى القلق أننا نجد نفسنا في أتون صراع لم نرده ولكنه يصهرنا، لم نرده رغبة في السلامة ولكن لأننا نعتقد أنه عبثي إلى أقصى الحدود، لأن منطقه لا ينبع ببساطة من داخله. هل بإمكان الغرب المصطف اليوم كالبنيان المرصوص في "الحرب على الإرهاب" أن يأمل أن حربه تلك ستنتج عالما أكثر استقرارا؟ هل بإمكان "الإرهاب" في المقابل أن يجعل من أعمال التفجير خريطة طريق لصراعه ضد الغرب؟ الأمر لا ينبع من هذه الطريقة في النظر للأشياء بقدر ما ينبع من اعتبارات نراها ولكننا لا نستطيع لمسها لأنها متحولة، ينتج بعضها بعضا، وفي خضم ذلك التحول يضيع الأصل وينتج "الإرهاب" مضاداته في حين تبلى المضادات بالمناعة المكتسبة المتزايدة "للإرهاب".
سيكون بإمكان الصراع الراهن أن يتبجح بأنه كان من أهم عناصر تحقيق العولمة. لم يعد سرا أنه في الآن نفسه، سعت الولايات المتحدة إلى تكثيف مراقبتها المخابراتية في كل دول العالم دون استثناء، وإلى فرض تغييرات محسوسة في برامج التعليم في الدول الإسلامية، وإلى تكثيف مراقبة الأفراد في تنقلاتهم ومعاملاتهم وحياتهم الأسرية، وتطوير أساليب عسكرية جديدة أكثر تلاؤما مع تحديات المرحلة، والإحاطة بوسائل الإعلام من أجل تغطية دعائية لسياستها، وربط جميع المساعدات والتعاملات المالية مع الدول بمدى انخراطها في منظومة "الحرب على الإرهاب". من بإمكانه اليوم إنكار أنه أصبح، رغما عنه وعن سيادة الدولة التي تحيطه بعنايتها، مواطنا أمريكيا بدرجة ما. تتدخل الأجهزة الأمريكية في تحديد أنظمة السفر ومعايير المعاملات المصرفية وطرق مراقبة المشبوهين (أي نحن جميعا) وتتولى في أحيان كثيرة أمر اعتقالهم خارج التراب الأمريكي وتوكل أمر استنطاقهم وتعذيبهم إلى من فرض كفاءته في هذا الميدان أكثر من غيره. ينبغي أن نعترف بأن ذلك الجهد كان خارقا وخارج دائرة التوقع منذ سبع سنوات وأن أهدافه الأساسية قد تحققت، ونحن نحسب أن أهدافه الأساسية ليست مطلقا منع القاعدة من تنظيم هجمات أو تحقيق عالم أكثر أمنا، بل إنتاج عالم جديد تمسك فيه الولايات المتحدة بمقاليد كل شيء، بكل المعلومات وكل المقدرات، مما يسهل تجيير جميع الطاقات لصالحها وفرض تأثيرها غير القابل للمقاومة على الكيانات الأخرى، حليفة كانت أو متحفظة. نكاد نجزم، لولا اعتراف القاعدة، بأن تلك الأجهزة هي من خطط للأمر برمته، ولكن هذه قضية أخرى. ما نريد تأكيده هنا هو ازدهار صناعة "الإرهاب" إلى حد لم نتصور أنها ستبلغه. تقوم صناعة "الإرهاب" على مكون أساسي توفره صناعة رديفة أخرى هي صناعة الخوف. وبين الخوف من "الإرهاب" و"الإرهاب" بدعوى القضاء على الخوف نقطع الخطوات المتبقية لنا نحو الزمن الأمريكي الكامل.

يضعنا الغرب في موضع المتهم باستمرار، إما لتخلفنا أو لثقافتنا "الراعية للإرهاب" أو لنفسيتنا المهووسة بالعداء له. وفي المقابل نحسن نحن لعب هذا الدور كما لم نحسن غيره. نلتفت داخلنا ونتساءل: من حق القوم أن يلومونا، فثقافتنا "تحرض على الإرهاب". ينتابنا الشك في فهمنا الذي كان إلى حد قريب بديهيا لأنفسنا، لواقعنا ولثقافتنا. ليس المقصود من وضعنا موضع الإتهام أن نلفظ تلك الثقافة فهم يحتاجون باستمرار إلينا حيث نحن، ليفهمونا كما يريدون. تنهال علينا الضربات وعندما نرفع أيدينا لنتقي بعضها تتأكد التهمة ويشرعون في تصفيتنا. في كلتا الحالتين يتهددنا الزوال.
لا يضعنا الآخرون في موقع أكثر سكينة باتهامنا واستهدافنا، لأننا "مسلمون سيؤون"، "منافقون ومنبطحون لهيمنة الغرب". لا يراد منا أن نكون مسلمين جيدين لأنهم سيفقدون بذلك "تميزهم" ومشيخات الرماد التي شيدوها على جثثنا. نلتفت مرة أخرى داخلنا ونتساءل: هل نحن سيؤون إلى هذه الدرجة؟ يتسمعون إلى تساؤل البعض منا فينهالون عليه بفيض تقواهم وجهادهم، قد ينجحون فيبلغنا بعد حين أنه انتقل إلى الضفة الأخرى، و"يحتسبونه عند الله شهيدا".
يتمعش الإستبداد من الوضع فيستلمنا ونحن على خوفنا ذاك، فيمتص ما بقي من الحياة داخلنا، ويلقي بنا بعد ذلك مكرهين في زمرة الرعية الراضية المرضية. لن يكون بالإمكان بعد ذلك أن نطلب لأنفسنا أو لغيرنا شيئا، يكفي أننا نتفس بين الحين والآخر. من بمقدوره اليوم أن يناقش استفادة الإستبداد من "الإرهاب"؟ فقط الإستبداد يشكك في ذلك (ومعه "الإرهاب" أحيانا). تكتمل حلقة الفناء من حولنا وقد اندثرت معالم حلم قديم بأن نكون مواطنين في دولة مواطنة. تلتقط دولة الرعية أنفاسها بعد محنة المساءلة الديمقراطية وتجد نفسها، مجددا، في وضعها المريح. تلعب دورها في الحرب على "الإرهاب" كأفضل ما يؤمل منها، تلتقط في الأثناء المناوئين لها وترمي بحقوق الناس إلى الجحيم. بعد ذلك يصبح بإمكانها القول أن القطيع بخير، "بلدة طيبة ورب غفور".
لا تستهدف "الحرب على الإرهاب" "الإرهاب" وإنما السيطرة على الأفراد بعد أن تكون قد قضت على كل روابط التضامن بينهم. تحاصر المميزات الثقافية في زوايا الصراع المظلمة فيبدأ مسار تذويب الهويات وتقترح العولمة الأمريكية بديلا لذلك كله. يضيق الإسلام في أثناء ذلك بمعتنقيه ويتحول عوضا عن كونه هوية منفتحة على الإنسانية ومتسعة باستمرار إلى بوتقة يحتكرها "المسلمون الجيدون" بعد أن قرروا أنهم من تنطبق عليهم الصفة. تنحسر حركة الحقوق في خلال ذلك تحت وطأة استبداد الدول التي اغتنمت فرصة وجودها ويصبح أقصى أمل الفرد أن يعود إلى بيته في المساء دون أن يكون ضحية قصف أو تفجير أو إيقاف عن طريق الخطأ. في خضم هذه السريالية القاسية يفقد الإنسان بوصلته ويعلم أنه لن يكون بإمكانه أن يعيش إنسانيته كما تعود في الماضي. الآن أصبح يفهم أن "الإرهاب" و"الحرب على الإرهاب" والإستبداد وما خفي من ملمات إنما تستهدفه كإنسان يراد له أن يكون قطعة بلا روح ولا إرادة في متاهة لا يعلم حدودها ولا مخارجها
.

mardi 2 septembre 2008

تأبط نفطا

برلسكوني في بنغازي
تأبط نفطا
عدنان المنصر
مقال صادر بصحيفة الموقف التونسية العدد 463 بتاريخ 5 سبتمبر 2008


تاريخية بحق كانت زيارة برلسكوني لليبيا، ليس لأنها نادرة ومهمة، بل لحضور التاريخ المكثف فيها. جاء الرجل حاملا
معه،"كبادرة حسن نية"، تمثال حورية شحات الذي عثر عليه علماء آثار إيطاليون في ليبيا في 1913 وظل منذ ذلك الزمن معروضا في متحف ماسيمو بروما. كما جاء الرجل معتذرا عن عقود الإستعمار الثلاثة التي عانت خلالها المستعمرة الإيطالية السابقة أبشع أنواع الإستغلال والتقتيل والتخريب. ولأننا عرب ومسلمون ومستعمرون سابقون، فإننا نعفو عند المقدرة. من هذا المنطلق لا يمكن أن نرد الرجل خائبا وقد جاء إلينا معتذرا، حزينا أسفا.

إن تتبعا بسيطا لتفاعل الصحافة العالمية مع الزيارة ودلالاتها ليثير ملاحظة هامة. ففي حين ركزت الصحف العربية على مسألة الإعتذار واعتنت برمزية إعادة التمثال وانساقت في اعتبارات تعطي الأولوية للماضي، فإن الصحافة الغربية أكدت على المغانم الإيطالية من هذه الزيارة إلى الحد الذي بدت معه وكأنها غزوة جديدة تعطي لإيطاليا بالسلم ما عجزت عن أخذه بااضغط والقوة. والأمر في الحقيقة لا يعبر عن توصيف أحادي الجانب للواقع بقدر ما يعبر عن انتظارات كل طرف من اتفاقية الصداقة الايطالية-الليبية الموقعة في بنغازي يوم 30 أوت الجاري. ففي حين عبرت الصحافة العربية عن عمق الجرح الإستعماري وعن حاجتنا إلى ما يخفف عنا وطأة الظلم التاريخي، فإن الصحافة الغربية لم تول أهمية لغير الجانب الإقتصادي فانساقت في تعداد المكاسب الإيطالية من هذه الإتفاقية: عقود الطاقة، الإستثمارات، مكافحة الهجرة السرية، والحرب على الإرهاب.
جاء برلسكوني إلى ليبيا بعد ساركوزي وقد أسالت لعابه دون شك العقود التي فازت بها فرنسا إن في مجال التسلح أو في ميدان الطاقة. لكن الرجل الذي لم تسمح له تقلبات السياسة الداخلية الإيطالية دائما بإنهاء كل المهام التي بدأها ظل يعتبر تحسين العلاقات مع ليبيا إحدى أهم أولويات سياسته حتى عندما لم يكن في سدة رئاسة الحكومة. فهو الذي بدأ مسار إعادة تمثال حورية شحات بإمضائه كوزير للثقافة على القرار منذ 2002 ذلك القرار الذي أثار الكثير من اللغط داخل إيطاليا وبخاصة داخل أوساط علماء اللآثار والمؤرخين. وكما فعل ساركوزي ولكن بصراحة أكبر، اعترف برلسكوني دون مواربة بالجريمة التاريخية ملقيا بالمسؤولية عنها على الأجيال السابقة. وفي كلتا الحالتين كان اليمين الأوروبي الذي يتحمل تاريخيا المسؤولية السياسية والأخلاقية للإستعمار هو المبادر للإعتذار في حين أن اليسار الأوروبي، الأقرب موضوعيا من هذا "الفعل الحضاري" لم يجرؤ على السير في دربه. ليس في نيتنا أن نفاضل بين اليمين واليسار فليس هذا مجال المفاضلة، وإنما أن نبين مقدار براغماتية أوروبا في التعامل مع أكثر المسائل حساسية، وأهمها بلا شك المسألة الاستعمارية. ينظر اليمين الأوروبي إلى الوضع بطريقة جد بسيطة: هناك تنافس اقتصادي يشتد، هناك حاجة متزايدة لتأمين إمدادات الطاقة مع تصاعد نذر مواجهة جديدة قد توقف تدفق نفط الخليج، هناك جحافل من الحفاة العراة يغزون سواحل أوروبا من الجنوب يجب ردعهم، وهناك إرهاب يجب أن يكافح. الأمر بهذه البساطة، فلم المكابرة؟ بعض الأرقام يمكن أن تجعلنا نتفهم هذه الطريقة في النظر إلى الوضع: تمثل ليبيا المنتج الثاني للنفط في إفريقيا بعد نيجيريا (قبل الجزائر) وهي تملك طاقة إنتاج تقارب المليوني برميل يوميا، في حين أن مخزونها النفطي يناهز الخمس وأربعين مليار برميل. أما بالنسبة للغاز الطبيعي فإن المخزون المعلوم لا يقل عن 1300 مليار متر مكعب بغض النظر عما ستسفر عنه أعمال التنقيب الجديدة. من هذا المنطلق يمكن أن نفهم لماذا اعتذرت إيطاليا للشعب الليبي ولم تعتذر للشعب الأثيوبي، فالأمر هناك لا يستحق العناء.
عندما جاء الإستعمار إلى بلادنا، كان يحلو للدول الأوروبية أن تردد أن الأمر استدعته ضرورات تمدين الشعوب الهمجية، وبذلك الداعي أبيدت أجيال كاملة من الجزائريين والليبيين في معسكرات الإعتقال والمنافي والمحتشدات، كانت "الحضارة" تستحق ذلك العناء. وفي أثناء ذلك كانت خيرات أرضنا تنهب وتهرب إلى مصانع أوروبا وأسواقها، ومزارع أجدادنا تصادر وتوهب للمعمرين الفاتحين. من جانب أوروبا كانت هناك أيضا "تضحيات"، فقد أنفقوا الكثير لإخضاعنا والمحافظة علينا مقهورين. وعندما فاقت تكلفة الإخضاع مرابيح الغزو حملوا متاعهم (ومتاعنا) ورحلوا. ولأن أوروبا واقعية وعقلانية فإنها تخضع سياساتها دائما لمصالحها، فعندما استوجب الأمر تمجيد الإستعمار كضرورة للتمدين وكحاجة للحضارة، كان خطابها مسخرا، إن يمينا أو يسارا، لترسيخ ذلك في أذهاننا. أما اليوم، فلم يعد هناك من يقبل بمثل تلك التبريرات. ولأنهم يدركون عقدنا، ما ظهر منها وما بطن، ويعرفون جيدا ما يحتاجون إليه وكيف يبلغونه، فقد دخلوا بيوتنا من أبوابها: أقبلوا معتذرين أسفين وعيونهم على ما غفلوا عنه في الماضي من الخيرات. في كلتا الحالتين لم يكونوا صادقين وفي كلتا الحالتين أيضا كانوا يسخرون من ذكائنا.
إن الإعتذار الحقيقي والحضاري فعلا هو ذلك الذي يكون قد وقر في القلب وصدقه العمل. ليس من الضروري هنا أن نذكر بنظرة الغرب لنا، وهي نظرة لم تتغير منذ قرن ونصف إلا قليلا. بالنسبة إليهم لا نزال همجيين، في حين لا زالوا يعتقدون أنهم الناطقون باسم الحضارة والمدنية. ولأن عالم اليوم لا يولي قيمة لما يخرج عن نطاق المصلحة، فإن من مصلحتنا أن لا نعول على يقظة الضمير هذه تعويلا كثيرا ولا أن نجعل من الإعتذار عن الإستعمار عقدة وجودنا. لا يفيد كثيرا أن نظل متشبثين باعتذار نعلم أنه قد لا يعني في نظر الناطقين به شيئا، في حين من المتاح الإصرار على ترسيخ التفهم لخصوصياتنا الحضارية لدى الأجيال الأوروبية الشابة. كما لا يفيد كثيرا أن ننظر للحاضر بمرآة الماضي دائما، في حين أن الأمر أصبح يستدعي، مثلما فهم ذلك الأوروبيون، النظر إلى الماضي بمرآة الحاضر. لا يبدو تحقيق ذلك متاحا في المدى المنظور، لأن المسألة، كما تتجلى لنا في كل مرة، هي قبل كل شيء "مسألة كرامة
".

lundi 24 mars 2008

تزاحموا تراحموا


في استعمالات الدين:

تزاحموا تراحموا !!!

عدنان المنصر


دقائق حرجة جدا مر بها زعماء 9 دول افريقية يوم الأربعاء 19 جانفي في مراسم افتتاح "مسجد القذافي الوطني" بالعاصمة الأوغندية كامبالا عندما أدى تدافع بين الحراس الشخصيين للزعيم الليبي والرئيس الأوغندي إلى اندلاع شجار كاد يتحول إلى مجزرة بعد سحب الحراس لمسدساتهم، وهو ما كان سيؤدي، لا قدر الله، إلى فقدان قارتنا العزيزة لأكثر زعمائها ديمقراطية وشفافية وتفانيا في خدمة شعوبهم.

كانت المناسبة التي تداعى بسببها ذلك الحشد الإستثنائي من الزعماء إلى العاصمة الأوغندية بالغة الأهمية. فقد كان الأمر يتعلق بتدشين أكبر مساجد أوغندا الذي شرع في بنائه منذ سبعينات القرن المنصرم الديكتاتور عيدي أمين دادا، ولم يتسن الفراغ منه سوى بمساعدة ليبيا الحثيثة. غير أن مجهودات أكثر من عقود ثلاثة كادت تضيع في دقائق ست وهي مدة "المعركة" التي اندلعت بين الحراس الشخصيين للزعيمين الليبي والأوغندي. وفيما يبدو فإن "المعركة" اندلعت عندما حاول حراس العقيد منع الرئيس موسيفيني من دخول المسجد قبل العقيد أو بالتزامن معه، رغم أنه رئيس البلد المضيف الذي يقع المسجد على أراضيه. ولكن من جهة أخرى، كيف يمكن أن يكافأ العقيد على ما أنفقه من أموال إذا لم يكن الداخل الأول للمسجد، إضافة إلى ذلك فإن الزعيم الذي يقدم نفسه كزعيم للقارة ومؤسس لوحدتها العظيمة وداعية للإسلام لا يمكن أن يقبل بوجود أحد معه في الصورة، وهذا منطقي بالنظر إلى كل تلك الإعتبارات. تلك بعض أسباب "سوء التفاهم" التدشيني، ولكنها ليست كل أبعاده حتما.

العقيد زعيم إفريقي، لا يفتأ يتنقل في ربوعها بمناسبة ودون مناسبة، يلقي خطبة جمعة هناك، يفتتح مسجدا هنا، يتوسط لحل نزاع في مكان ثالث، ويؤنب الفرقاء على خلافاتهم التي تؤخر تحقيق الحلم العظيم بوحدة القارة. نتفهم هذا التوجه الإفريقي للعقيد، لأننا أفارقة أولا، ولأننا لمسنا الخيبات المتتالية التي منيت بها السياسة العربية للزعيم الليبي وقسوة الحظر الإقتصادي الذي سلطه الغرب والكثير من العرب على ليبيا. لم يبق أمام العقيد، فعلا، سوى إفريقيا. هذه القارة مهيأة، كما يقول البعض، لتقبل الزعامة الليبية. فليس هناك من ينافسها عليها أولا، كما أن الجميع فيما يبدو قد نسيها وأهمل مشاكلها، إضافة إلى أن الطفرة النفطية مكنت ليبيا من موارد ضخمة لا بأس أن ينفق بعضها على الإخوة السمر. لا عائق أمام زعامة القارة إذا فهمنا من ذلك حرصا، يبدو واضحا، على حل الخلافات وتهدئة الصراعات التي لا تفتأ مشتعلة بين الدول وداخل الكثير منها، على هذا المستوى يحقق الزعيم الليبي نجاحات كثيرة باستعمال تأثيره المعنوي والمالي على الأفرقاء. بديهي أن الوساطة، حتى عندما لا تنجح، فإنها تضع الوسيط فوق الخلافات وتجعله في منزلة الحكم، وهو ما يحصل مع العقيد. العقيد يستخدم ذلك ولكنه لا يكتفي به، فهو يقدم نفسه أيضا كداعية إسلامي حيث لا يفتأ يحرص على نشر تعاليم الإسلام داخل القارة، بطريقته. هنا جانب آخر من هذه الزعامة لا ينبغي إغفاله. وبما أن الإسلام يتجاوز في حدوده القارة الإفريقية فإن ذلك المسار يضع الزعيم الليبي في موضع يبدو أنه يحبذه كثيرا منذ فترة، موضع المنافس لدور السعودية في هذا الخصوص. قد نفهم جانبا من حرص الزعيم الليبي على اختتام أشغال بناء المسجد من هذا المنطلق، فالسعودية هي التي بدأت المشروع مع عيدي أمين دادا في 1972، لكن الإطاحة بالدكتاتور الأوغندي عطلت المشروع، وها هو ينجز اليوم على يد ليبيا. نفهم ذلك أيضا من خلال النقد الذي ما فتئ العقيد يوجهه للسعودية التي تحتكر، حسب قوله، الحج والكعبة وتوجههما لخدمة سياستها في حين أنهما مشاع للمسلمين.

لماذا يأخذ الإسلام كل هذه الأهمية في الدعاية الرسمية للدول؟ سيجيب الجميع أن المسألة متعلقة بقضية الشرعية، وهو ما نعتقد فيه أيضا. لا يحتاج هذا الجانب من الموضوع إلى بيان كثير. ولكن هذا هو الجزء الممتلئ من الكأس، فأين الجزء الفارغ؟ لعله يتمثل في عدم استناد هذه الأنظمة إلى المنبع الحقيقي للشرعية السياسية في عالم اليوم، وهي الديمقراطية. فالشرعية الدينية، مهما بلغت نسبة مطابقتها لواقع قناعة الدول والأنظمة، لا تكفي. إنها لا تكفي فقط، بل إنه عادة ما يقع الإستناد إليها للإيهام بأنها أهم وأفضل من الشرعيات الأخرى وأنها تبيح جميع السياسات التي قد يفهم منها تضييق على الحريات أو مصادرة لحقوق الشعوب في الحياة الكريمة. من يحتاج الحكام أكثر من غيره، بديهي أن الله لا يحتاج إليهم، وأنه لا يغنيه أو يفقره ما يفعلون. في هذا المستوى النظري، الشعوب هي التي تحتاج حكامها لقيادتها في معاركها ضد الفقر والأمراض والفساد. الله لا يحتاج إلى الحكام، ولكن الحكام يحتاجون إلى الله. لذلك نراهم ركعا سجدا، حاجين ومعتمرين، متزاحمين على "المبرات"، متمسكين ببعض الألقاب التي عفا عليها الزمن والتي لا تفتأ تصيبنا بالغثيان. هل يغني تأسيس مسجد عن تأسيس برلمان؟ وهل تعوض صلاة الجمعة الإنتخابات الديمقراطية؟ وهل تستطيع الإمامة أن تحل محل الزعامة السياسية؟ قد لا يكون أولوا الأمر مقتنعين في قرارة أنفسهم بأن ذلك ممكن، لكنهم يعرفون جدواه جيدا في وسط يسيطر فيه الشكل على المضمون. ماذا تستفيد تلك الشعوب من إيمان زعيم ما إذا كان إيمانه أو عدمه لا يغيران من حياتها البائسة شيئا؟ هذا يجرنا حتما إلى طرح السؤال المفزع: هل الديمقراطية مطلب حقيقي، بمفهوم الحاجة الواقعية، للشعوب؟ بمفهوم ما، يجب أن يكون كذلك، أما الواقع فأحكامه مختلفة.

من نفس مفهوم الواقع، لا يبدو أن الحكام في البلاد الإسلامية يؤسسون لممارسة جديدة. هم ينخرطون في نفس المنظومة الجاهزة التي صاغها السابقون، وإن كان بعضهم يبالغ أكثر من غيره في الإستناد إليها. بذلك ينتقل الصراع السياسي إلى ميدان ليس من المفترض أن يكون ميدانه. اقتناعا أو انتهازية يشكك جانب من المعارضين في حقيقة تقوى الزعماء ويقدمون، في خطابهم، الهم الديني على الهم الديمقراطي. وأكثر من ذلك، يكفر بعضهم بالديمقراطية التي جاءت بهؤلاء الزعماء، وكأنها هي التي جاءت بهم فعلا. وعندما يصلون إلى الموقع المراد الوصول إليه يستأنفون المسيرة ذاتها، يقفون على الأرضية ذاتها، يلتقط الإستبداد أنفاسه ويواصل طريقه بنفس العزم. يسبح الجميع إذا في ملكوت البنى الفوقية، وتبقى الديمقراطية والممارسة الشفافة للحكم والتصدي للمشاكل الواقعية للشعوب في الدرك الأسفل من النار.الديمقراطية تعني المحاسبة، أما حقيقة التقوى وزيفها، فأمر مختلف تماما لا يمكن التثبت منهما إلا خارج حدود الزمان. وطالما أن "بعض الظن إثم"، فالمتقي مؤمن حتى يثبت نفاقه.

كم يجب أن تتكرر المأساة حتى نفهم أن للحداثة السياسية ضوابطها وحقيقتها الخاصة، وأنها، إذا أرادت أن تكون حداثة فعلا، يجب أن تكون أدواتها مما ينفع الناس. إن أبشع الديكتاتوريات تلك التي تستند إلى عقيدة. المشكل ليس في العقيدة مطلقا. يمكن أن تكون المسيحية أو الإسلام أو حتى الوثنيات، يمكن أن تكون دينا أو إيديولوجيا وضعية، هذا ثانوي. نفس العقيدة يمكن أن تسند حكما مستبدا وأن تشرع لأكثر الحركات ثورية. لذلك فإن التعويل عليها في حكم الشعوب لا يبدو ذا طائل. من يستعمل الدين أكثر من غيره يربح أخيرا، ذلك ما يبدو عليه الوضع في البلاد المتخلفة، ليس هذا مجرد وصف لحالة معينة، بل قاعدة يبدو أن الجميع، أو بالأحرى الأكثر تأثيرا، يعولون عليها. من كلا المنظورين، الحاكم والمعارض، يبدو الدين كتلك الدجاجة التي تبيض ذهبا. وفي خضم ذلك كله يقع تناسي ما هو حقيقي. لماذا تثير السياسة الدينية اللغط أكثر مما تثيره السياسة الإقتصادية والإجتماعية؟ سيقول البعض لأن الشعوب لا تعرف مصلحتها، جواب سهل وجاهز لكنه لا يتقدم بنا أية مسافة إلى الأمام. الأمر يحتاج إلى كثير من الجهد والتربية حتى تفهم الشعوب أن الحلول يجب أن تكون من جنس المشاكل التي تسحقها وأن تتفطن إلى الخداع الذي تتعرض إليه كل يوم من أجل صرفها عما ينفعها. هل يعني ذلك إلغاء الديني تماما، هذا أمر لا يمكن بلوغه مهما تنافس في ذلك المتنافسون. المراد هو العودة بالسياسة لمربعها الأول، وكسر عملية الإحتكار التي يقوم بها كل طرف، حسب غاياته، للشرعية الدينية. في هذا المسار لا يبدو أن الحركات الدينية، أو ما اصطلح عليه بحركات الإسلام السياسي، هي العائق الوحيد أو الأكبر. من منطلقها، تبدو تلك الحركات في موقع من يرد الفعل على استغلال الأنظمة المفرط للحقل الديني حتى عندما لا يتطلب الأمر ذلك. ولكن أن تكون في موقع من يرد الفعل لا يعفيك من المسؤولية عن انعكاسات ما تأتيه. من جهتها فإن الأنظمة، عندما تحرم على بعض الأحزاب والحركات ولوج ذلك الحقل والإستقرار في ربوعه الوارفة، فإنها لا تمارس غير النفاق السياسي. هل تستطيع الأنظمة المذكورة، وبعضها كان إلى حد ليس بالبعيد ثوريا تقدميا، أن تتحمل تبعات الخروج من الحقل الديني ومواجهة خصومها ومعارضيها على حقول أخرى؟ ستتعرى تماما وستظهر عوراتها البشعة. بين الاستبداد المتلبس بالشرعية الدينية وبين الدين المتدثر بالسياسة لا يبدو أن الفارق كبير جدا. من هذا المنطلق يبدو أن الجميع منخرطون في المنظومة ذاتها، كل طرف يمول الآخر بعوامل بقائه. لذلك فلا مخرج من المنظومة إلا بكسرها وبالولوج إلى العالم الحقيقي الوحيد الممكن، عالم ما ينفع الناس. ليس في ذلك أي حط من قيمة الدين ولا أي تضخيم من مكانة السياسة، وإنما عودة بالأشياء إلى أصولها. ولكن في خلال ذلك، يجب تربية الشعوب على التخلص من آثام الدعايات التي تجعل من تسييس السياسة خيانة للدين، وهو مسار طويل لا يمكن توقع بلوغ مداه في جيل أو جيلين. ذلك أنه لا يمكن بتاتا الإقتصاد في التاريخ. كم استغرق الأمر لأوروبا من أجل التخلص من هيمنة الكنيسة على السياسة والولوج إلى الحداثة السياسية التي تمثل الديمقراطية أحد أبرز تجلياتها. قطعا ليست الديمقراطية النظام المثالي الوحيد الممكن، ولكنه أقل النماذج التي جربتها البشرية سلبيات. سيقول البعض أن الأمر لا يتعلق هنا بكنيسة، ففي الإسلام ليست هناك كنيسة ولا لاهوت، شكلا هذا صحيح، أما مضمونا، فالأمر يستدعي لسوء الحظ بعض النظر !

lundi 3 mars 2008

كول وأخواتها


كول وأخواتها

مقال صادر بجريدة الموقف التونسية، العدد 442 بتاريخ 7 مارس 2008


عدنان المنصر




نسق سريع للأحداث، مرور سريالي من التهديد إلى التنفيذ، من القتل المحسوب إلى المجزرة الواسعة، اختلاط رهيب للمواقف... هل هذا ما نبدو عليه اليوم؟ التوصيف ليس كاملا ولا يمكن أن يكون كذلك، نكتفي بتجميع أجزاء المتاهة دون أن نتبين بجلاء الطريق الواصل بين الدخول والخروج: بداهة لا شيء يربط بين وثيقة مراقبة الإعلام التي نظر فيها مجلس وزراء الداخلية العرب، الذي يبدو أنه سيحقق يوما ما الوحدة العربية، وبين إرسال المدمرة كول إلى شواطئ الشام. ولا شيء مبدئيا قد يجعل من استماتة البعض في سد منافذ غزة مرتبطا بالمحرقة التي بدأت هناك، كما لا شيء قد يجمع بين تمرد الحوثيين في صعدة وتنكيس عباس راياته في الضفة.

مع ذلك فإن الصورة بدأت تتضح لكل ذي عينين، منذ أن حلت كول بين ظهرانينا، شرق المتوسط. قال أحد الفنانين الساخرين الأمريكيين يوما وهو متكئ على مدفع إحدى البوارج الأمريكية، أنه إذا كانت واشنطن تقول أنها مهمة سلام، فكيف تكون مهمات الحرب؟ عودة سريعة إلى الوراء الذي لم يزل منذ ذلك الزمن أماما: السفن التي تأتي لزيارتنا من حين لآخر، تقصفنا، ترعبنا، نمضي، وينتهي كل شيء، مؤقتا. غير أن بايات ودايات وسلاطين ذلك الزمان لم يكونوا يعلمون أنها آتية، بل كانوا يسعون للتصدي ما أمكنهم ذلك وإن لم تسعفهم قدراتهم على قلب الموازين عموما. الآن، الوضع مختلف: يعلمون بما سيحصل قبل أن يحصل، يأخذون الوقت الكافي لتنبيه رعاياهم، يتمون استعدادات ما قبل الترحيل، يعتقدون أنهم بذلك يضاهون شكلا الدول الكبرى في الحرص على حياة مواطنيها، يعتقدون أنهم فعلا أنداد لها إذ أنها وضعت في علمهم بعض ما ستأتيه. وعندما يحصل العدوان، يصمتون دهرا ثم يبدأون في النطق كفرا، لتحميل الضحية وزر ما جنته عليها ظروف الزمان والمكان، يمارسون نصف رجولتهم بأقصى طاقتهم، يهيؤن أنفسهم لكسر أرجل الجياع إن طرقوا أبوابهم، وتحطيم رؤوس الرعية إن تململت وهاجت. عفوا لقد نكس بعضهم الأعلام، وكأنها أعلام أصلا، وأوقفوا المفاوضات، وكأنهم كانت يوما مفاوضات ، وفتح آخرون منافذ لاستقبال الجرحى الذين لن يحتاجوا لكسر أرجلهم ولا أيديهم.

في غضون ذلك تكون الجوقة قد انطلقت في النشيد، تمجد الواقعية وتدين الرعونة، تطنب في التأكيد على مصالحنا الإستراتيجية، تذكر بأن لا أحد يزايد عليها فيما جمعته من رأسمال ثوري، تسخر من شماريخ غزة وكأنها فعلت بصواريخها المدفونة ما هو أفضل، تحذر من الإرهاب والقاعدة والفوضى التي ستحرق الجميع، تتذكر السيادة والإتفاقات المبرمة ومقتضيات الشهامة... وعندما ينطلق العدوان، تبدأ في حساب المنافع وعينها على شارعها المتنطع، تتوقع هزيمة الضحية ولا شيء غير ذلك، لأن هذه الضحية هي جلادها الذي يقتلها في اليوم ألف مرة، يعري عجزها وثلث رجولتها. أما إذا ما لاحت بارقة انتصار غير مرغوب فيه واندحار للعدوان العاتي، فيعزون أنفسهم، يرتبكون، يشعرون أنهم المنهزمون: لا شك أن شيئا ما وقع أفشل الخطة. ليس متوقعا أن تفشل تلك الخطة، لأنها نجحت معهم في الزمن الماضي، قبل تخفيضات الرجولة.

يأتي دورهم مجددا، ينظرون حولهم فيرون جماهير يسكرها النصر، يغتاظون، سيعاقبونها. لن تسمع شيئا مما يحصل مستقبلا، لن ترى دماء ولا صرخات، لن يهيجها بعد اليوم محترفوا المقاومة، لن تشعر أنها معنية بما يحصل هناك قريبا منها في قلبها وروحها. ينظرون من شرفات قصورهم، أطباق لاقطة وقنوات لقيطة، لينته كل ذلك الآن. وفي أسفل الدنيا يتململ أحدهم، يفرك عينيه، يتثاءب كما يحسن أن يفعل، يمضغ نبتته المفضلة، ليفعل شيئا. لن يشك أحد في الأمر لو صدر عنه، فالجميع يعترف له بالثورية والحرص على الوحدة، والتنطع. ليبدأ إذا استنساخ الجوقات، لتغلق الأفواه الآبقة، العابرة للحدود المعتدية على الكرامات. العين على واحدة أو اثنتين، ليذهب الجميع إلى الجحيم إذا ما سهل ذلك الوصول إليهما. لأجل عينيه تكرم مليون عين، سيجتمعون ويقررون ويوافقون ويبدأون التنفيذ، فما يعتريه يعتريهم، هو الوكيل وهم أصحاب القضية.

أصحاب المعالي والفخامة والسيادة لا يفرحون إذا فرحت الرعية، يحسون صوابا أنهم مستهدفون، يتهيأ لهم أن أحدا ما في مكان ما يحسب لهم حسابا. لا يسرهم النصر مهما كان نسبيا لأنه يفضحهم، يجعل الأعناق تدور نحوهم تشعرهم أنهم أولوا الأمر، وما هم من الأمر في شيء. البعض أخطأ الطريق، هاجمهم، أشعرهم بتهديد قضى على ربع الرجولة المتبقي، منحهم الفرصة التي تبيض ذهبا، فاحترقنا جميعا. شيخ الحكمة هناك غاضب من الذين يقضون منتجعه، ملك الإتزان يكتشف أخيرا أنها المحرقة، ما زال يرى. ظلمة غزة لا تزعجهم، من دخل الضوء أصلا؟ شموعها تدمي عواطفهم، ما زالوا يملكون البعض منها. نفطهم يمطر الأمة حمما، هل نالنا منه غير ذلك أبدا؟

تصمت حمائمنا قليلا وكأن على رؤوسها الطير، فالحمامة الأم أصبحت قائدة المحرقة هناك. يحسون بالحرج أخيرا، فالبوصلة عادت للعمل والإتجاه لم يضع تماما في زحمة الشبهات، يتعرون، يدخلون باطن الأرض، يتقوقعون في برج فكرهم "الإنساني". ولكن دورهم محفوظ أبدا. مثل طيور الشؤم تماما سيفيقون عند ما تحل الكارثة، سيقولون لنا "ألم ننبهكم، ولكنكم قوم لا تعقلون؟" عندما تحل القارعة سيفرخون، سنباهي بهم الأمم كثرة وشأنا، فهم أبناء الهزيمة الشرعيون، سنعتذر منهم حينئذ: عذرا سادتنا، في المرة القادمة سننتصر، وستستأصلون. ذلك الشاب المعمم يزعجهم، لا يرون فيه ما يعرفون، ليس بمثل تقدميتهم، لا يحسن فرنسيتهم، ولا ركاكة منطقهم، وفوق ذلك فالدهماء تحبه وتجعله في سويداء قلبها. ينظرون في دفاترهم، يقلبون أوراقهم، لا يجدون فيها غير القوة منتصرا دائما، القوة في مقابل الحق سيف بتار، هذا إذا كان بالفعل حقا. لا حق في الصراع ولا باطل، لا إرادة ولا إيمان ولا شيء مما لا يملكون. يذبحون بأيديهم صفر الرجولة الأخير، نستمع إليهم ونراهم فنزيد إيمانا بأننا لا نسير في الإتجاه الخاطئ.

ولكن هل نحن بأفضل من هؤلاء وأولئك؟ ربما، إذا ما أحسنا الفهم، واستطعنا مجاراة النسق واحتفظنا بالإتجاه الصحيح. العدو هناك في التلة، وإن كان بعضه هنا وهناك، معششا في أجسادنا وفي جثث البعض منا. يقاوم مضاداتنا ولكنه يبدأ في التهاوي، لأنه يواجه للمرة الأولى إرادتنا في التعافي. يقاوم الجسد، نسقط ثم نقوم، لنسقط من جديد ولكن لا نمحي. تنتابنا الحمى ولكنها دليل الصمود، يجند الطغيان غربانه وبوارجه وحاملات طائراته. يغيضه مخزون الصمود في هذه الأمة، من أين يأتون بهذه القوة؟ من ظلمكم. ستينية الكيان قد تمر، ولكن من سيبقى أخيرا هم نحن. قد يرونه بعيدا، ولكننا نراه قريبا.

1


lundi 5 novembre 2007

وشروه بثمن بخس...


أطفال للبيع


وشروه بثمن بخس...

(عدنان المنصر)

مقال صادر بالعدد 426 من جريدة الموقف التونسية بتاريخ 9 نوفمبر 2007 وبجريدة الحياة اللندنية بتاريخ 26 جانفي 2008

أثارت قضية محاولة ترحيل أكثر من مائة طفل تشادي إلى فرنسا بدعوى أنهم من أيتام الصراع في دارفور موجة كبيرة من الاستياء في أوساط المنظمات الإنسانية الدولية وكذلك لدى كل من لم يتوقع أن تعمد منظمة تنشط في المجال الإنساني إلى محاكاة أساليب عمل منظمات الجريمة المختصة في اختطاف البشر والمتاجرة بهم.


لقد فتحت هذه القضية أبواب الجدل حول أساليب عمل المنظمات الإنسانية في إفريقيا على مصراعيها مجددا وبدا أن العمل الإنساني سيكون أكبر المتضررين. قد لا يكون الدفاع عن العمل الإنساني في هذه الظروف وفي المطلق أمرا حكيما، فالعمل الإنساني يخضع أيضا لقوانين الطبيعة والسياسة. وقد لا يكون الناشطون في هذا المجال ملائكة نسيتهم الآلهة على الأرض، غير أن ذلك ليس داعيا لإلقاء جميع الأطفال مع ماء الغسيل. ففي تشاد تنشط حوالي 80 منظمة إنسانية يقوم عدد كبير منها بجهد كبير من أجل مساعدة الشعب التشادي، والأمر ليس مقتصرا حتما على تشاد. هذا هو نوع الجدل الذي أراد إدريس ديبي أن يؤسس إليه عندما قام بإنجازه العظيم كاشفا تلك الجريمة البشعة في حق الطفولة التشادية المعذبة. كانت المسرحية ناجحة في نظر من لا يعرفون الوضع في تشاد: رئيس في فورة غضبه يهدد الجميع بأقسى التتبعات "مهما كانت جنسياتهم"، يربت على ظهور الضحايا ويغمرهم بحنان لم يخطر ببالنا أنه يملك منه شيئا. رئيس هصور يرتعد الجميع خوفا من احترامه للمؤسسات "التي يجب أن تقوم بدورها"، يضبط بالجرم المشهود بعض البيض الذين كادوا أن يحرموا وطنه من رجال الغد. المشهد مربك فعلا. فمعه تعود إلى الذاكرة أكثر الصور إيلاما: تجار الرقيق يشحنون بضاعة بشرية إلى بلاد بعيدة ليستغلوهم بعد أن ضمنوا ثمنا مجزيا. ولكن هيهات. فالعبيد تحرروا، وأصبح لهم الآن أب وزعيم يرفع لواءهم، ويضعهم تحت جناحه ويقف متحديا الجميع، بمن فيهم السادة البيض الذين اعتقدوا أن بإمكانهم إذلال شعبه الأبي.

المسرحية ناجحة فعلا، وريعها سيعود دون أدنى شك لمنتجها. وأول الغيث سيكون حتما تقييد نشاط الجمعيات العاملة في المجال الإنساني. قد يكون ذلك نتيجة طبيعية لفضيحة الترحيل، ولكن لنمعن النظر قليلا. فتشاد التي تحرقها الحرب الأهلية والديكتاتورية منذ استقلالها تمثل عقدة أساسية من عقد الصراع في وسط إفريقيا، ذلك الصراع المتصل في آن واحد بالحرب في دارفور وبالحرب على الإرهاب. ونتيجة لذلك فقد انخرطت حكومة إدريس ديبي في مسار يهدف إلى تأجيج الصراع في دارفور بمساندة وتسليح العشائر المنتفضة ضد الخرطوم، فساعدت على تجنيد اللاجئين في المخيمات المقامة على أراضيها في الحركات المسلحة الدارفورية. وليس للمسألة علاقة بحق الشعوب في تقرير المصير، فإدريس ديبي انخرط بذلك في صراع عرقي يتجاوز السودان، حيث أنه يواجه هو الآخر مجموعات مقاتلة تدعمها الخرطوم وتتخذ من شرقي البلاد معقلا لها. وتختلط في هذا الصراع عوامل عديدة، عرقية وقبلية ودينية وإستراتيجية ونفطية. وقد أدت الأوضاع في دارفور وطريقة ديبي في التعامل معها في استيطان عشرات المنظمات الإنسانية الدولية للمنطقة حيث لم تعد تراقب ما يفعله الجنجويد فقط بل أضحت شاهدا مزعجا عما ترتكبه القوات النظامية التشادية من عمليات ضد سكان المنطقة الشرقية من البلاد، حيث تقوم مثل القوات المتمردة عليها تماما، بتجنيد الأطفال وإرسالهم إلى الجبهات للموت. لذلك فإن ديبي الذي وافق مكرها على قدوم قوات أوروبية في ديسمبر 2007 إلى شرق تشاد سيكون في موقع شديد الحرج عندما تصبح الانتهاكات التي تقوم بها قواته ضد المدنيين في شرق البلاد تحت طائلة المحاسبة المباشرة. هل استبق ديبي ذلك بمسرحيته؟ الفكرة واعدة بالنسبة إليه، فهي تمكنه في الوقت نفسه من الظهور بمظهر المدافع عن الطفولة البريئة التي يتهم بإرسالها وقودا لحرب طاحنة، ومظهر المدافع أيضا عن شرق البلاد الذي يمقته ويمقت حكمه، كما أنه يقيد عمل المنظمات الإنسانية التي كانت باستمرار تفضح أساليبه ضد معارضيه، وتضع القوات الأوروبية في موقع شديد الحرج حتى قبل حلولها بالبلاد. أما فرنسا، فستدفع فيما يبدو الثمن الأكبر. سينقلب اتجاه البخار فيما يبدو، ويصبح المضغوط عليه ضاغطا. لن يكون بإمكان برنارد كوشنير بعد اليوم إعطاء دروس لأحد حول حقوق الإنسان، وستسقط ادعاءاته بحق التدخل الإنساني في مواطن النزاع ولو كرهت الحكومات. لن يكون بإمكان الفرنسيين، مثلما فعل شيراك أخيرا، التهديد بسحب القوات الفرنسية التي تحمي نظام ديبي بمناسبة أو بغير مناسبة. وسيطير إليه المكوك ساركوزي مثلما طار سابقا إلى طرابلس في قضية أطفال الإيدز الليبيين، فحل في عشر دقائق مشكلة استعصى حلها سنين عددا.

لنعد إلى أطفال تشاد. لم يكونوا أيتاما فيما يبدو، بل أبناء عائلات فجعت بفقدهم وبحثت عنهم دون شك وربما توقفت في لحظة ما عن البحث خوفا من أن يكون اختفاء أبنائها "ضرورة وطنية". هل بحثت عنهم حكومة ديبي؟ ماذا فعلت من أجل أقرانهم منذ تسلم الجنرال ديبي الحكم بعد انقلاب ديسمبر 1990؟ ماذا فعلت من أجل آبائهم وأمهاتهم الذين تطحنهم الأمراض والمجاعات والحروب؟ إدريس ديبي في الحكم منذ حوالي العقدين، ولا يبدو أنه يعتزم الرحيل قريبا. فقد نسج علاقات مصلحة قوية مع الشركات الأمريكية المستثمرة في بترول تشاد وانخرط إلى جانب البنتاغون في الحرب على الإرهاب مغازلا في الوقت نفسه طرابلس والجزائر. ما هو دور هذه المعطيات في تمسك القوى الكبرى بحكم إدريس ديبي وغضها الطرف عن انتهاكاته لحقوق مواطنيه وقمعه الصحفيين وتزييفه للانتخابات (1996 و2001) واستغلال الحرب الأهلية لتصفية معارضي حكمه؟ إنه يشعر دون شك أنه يقوم بدور مهم وأنه لا يمكن التخلي عنه.
لننظر الآن للأمر من زاوية أخرى. لو قدر لهؤلاء الأطفال أن يعيشوا بالرغم عن سوء التغذية والأوبئة والحروب وبلغوا سن الشباب، هل سيشكرون ديبي أم سيلومونه؟ أغلب الظن أنهم لن يكونوا سعداء هم وعائلاتهم. فقد حرمهم من حيث لا يدري من فرصة الانتقال إلى "الفردوس الأوروبي" بعد أن كادوا يصلون إليه لبداية حياة جديدة. سيتوجب عليهم أو على بعضهم آنذاك أن يدفعوا لوسطاء الهجرة السرية من أجل قطع نفس المسافة، وربما انتشلت جثث بعضهم في الأطلسي أو في المتوسط. سيكرهون إدريس ديبي أكثر وأكثر وسيرون أنهم كانوا عملة مقايضة سياسية تتجاوز أحلامهم الصغيرة وأنه باعهم بثمن بخس من أجل مصلحة نظامه. لينتظر أهلهم الآن وقد وقع ما وقع أن تعمل المؤسسات. سيهتم القضاء بالأمر كما كان يفعل دائما. لقد أقسم ديبي أنه لن يتدخل في عملهم. ومن يعرف ديبي يعلم أنه "الصادق الأمين" الحريص على مؤسسات دولة المؤسسات. ألم يخطب في التشاديين عند دخول قواته إلى نجامينا في ديسمبر 1990 أنه "لم يأتهم لا بالذهب ولا بالفضة وإنما بالحرية"؟
في الوقت نفسه بدأ الوسطاء، الذين فقدوا آخر ذرة حياء، يعرضون خدماتهم مستندين إلى "نجاحاتهم" السابقة، عندما شغلوا شعوبهم بقضية مشابهة للوصول إلى أهداف مشابهة. أما الأوروبيون، فلا يمكن أن نتوقع منهم أن يحترموا ذلك القضاء، وسيدخلون اللعبة ويمزجون الضغط بالترغيب مثلما يحسنون فعل ذلك دائما. أما الأطفال، يتامى دولهم وحكوماتهم، فسيعانون ويموتون طيلة حياتهم، صغارا وشبانا وكهولا، جوعا أو غرقا أو حربا أو بالإيدز،وما بدلوا تبديلا..

jeudi 13 septembre 2007

ما فقدناه بتصفية اليوسفية

ما فقدناه بتصفية اليوسفية

عدنان المنصر

تقديم كتاب:

"اليوسفيون وتحرر المغرب العربي"، تأليف عميرة علية الصغير، المغاربية للطباعة والإشهار، تونس 2007، 300 صفحة.

صدر صحيفة الموقف التونسية العدد 418 بتاريخ 14 سبتمبر 2007.

صدر للباحث عميرة علية الصغير كتاب جديد خصصه لتتبع تاريخ الحركة اليوسفية بتونس ومساهماتها في مسيرة تحرر المغرب العربي. ولمن لا يعرف الكاتب فهو مؤرخ جامعي وأستاذ محاضر بالمعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية بتونس وقد صدرت له دراسات عديدة حول مسائل متعددة من التاريخ المعاصر لتونس وبصفة خاصة حول موضوع المقاومة المسلحة والحركة اليوسفية.

بعض فصول هذا الكتاب منشورة كما أشار إلى ذلك المؤلف في مجلات تاريخية وندوات علمية نظمت خارج تونس، ولعل نشرها اليوم يتيح لجمهور أوسع من المتتبعين مطالعة أبحاث شديدة الالتصاق بإشكالات تهمنا كتونسيين بشكل مباشر. خصص المؤلف الفصل الأول من كتابه لدراسة الظاهرة اليوسفية، وهو فصل لم ينشر سابقا. وقد جعل المؤرخ من هذا الفصل الذي استحوذ على ثلث الكتاب تقريبا، مدخلا لبقية فصول الكتاب التي جاءت متراوحة بين دراسة بعض المسارات الفردية لمناضلين في التيار اليوسفي وبين دراسات أخرى يمكن القول أن الرابط بينها هو الرغبة في دراسة ما أسماه عميرة علية الصغير بالتواصل النضالي بين شعوب المغرب العربي. في الفصل الأول، يبدو لنا حرص المؤرخ على إتباع منهجية صارمة مكنته في نظرنا من تقديم دراسة هي من أفضل فصول الكتاب. لم يسقط المؤرخ في التعاطف مع اليوسفية بل تناول هذه المسألة بحرفية عالية. فالقارئ وإن لاحظ أحيانا "تقريعا" للشق البورقيبي فإن ذلك لم ينتقل إلى تبرئة للجانب اليوسفي في الصراع الذي قسم البلاد نصفين وألقى بخيرة أبنائها في أتون الحرب الأهلية. يبدو المؤرخ مهتما بمسألة أخرى مختلفة تماما، حيث نراه يحاول إثبات أن اليوسفية كانت حركة معارضة وطنية، وأن عوامل عديدة دفعت الأمور في الاتجاه الدموي المعروف الذي أخذته بعد ذلك. هل حقق بورقيبة استفادة ما من هذه المعارضة في مفاوضاته مع الفرنسيين؟ لا يشك المؤلف في ذلك بتاتا بل يرى أن كثيرا من الفضل في حصول البلاد على استقلالها التام في ظرف وجيز كان بفضل التهديد الذي شكلته اليوسفية على المسار السابق حيث بدا بورقيبة في حاجة شديدة لمكاسب سياسية ملموسة تنقذ شعبيته في نظر مواطنيه، وهو ما اضطرت فرنسا إلى القبول به في نهاية الأمر. ماقيمة التأكيد على أن اليوسفية كانت حركة معارضة وطنية؟ الأمر في منتهى الأهمية من زاوية نظر تاريخية لأن ذلك يعني القطع مع ما حاولت الإيديولوجيا الرسمية باستمرار أن تنشره عن اليوسفية بوصفها "فتنة"، و"عصابات مجرمين"…إلخ. كما أن الأمر هام أيضا من منطلق وطني جامع يرى أن ما تحقق من مكاسب في نهاية العهد الاستعماري كان إنجازا مشتركا بين جميع أبناء الوطن، لا أحد يملك حق الاستئثار به لنفسه وإقصاء الآخرين منه.

ماذا فقدت المسيرة الوطنية وتجربة الدولة من القمع الذي طال هذا الفصيل الوطني حتى قضى عليه؟ الكثير. فقد قضي بذلك على أكبر فصيل معارض للحكومة وللخيارات البورقيبية و لم يبق على الساحة أية زعامات أو أحزاب يمكن أن تفرض صيغة ديمقراطية ما قائمة على وجود حزبين كبيرين يتنافسان على الحكم. ولكن هل يجوز لنا أن نتساءل عن الإمكانية الحقيقية لنشأة حياة ديمقراطية بوجود زعامتين كبورقيبة وبن يوسف؟ هل كان بن يوسف أكثر ديمقراطية من بورقية؟ هل كان يقدم ضمانات أفضل من تلك التي قدمها بورقيبة للتونسيين من أجل بناء الدولة العادلة والديمقراطية المنشودة؟ لا أحد بإمكانه الجزم بهذا الخصوص ولكن هناك شيئا أكيدا: لقد فقد التونسيون القدرة على الاختيار منذ ذلك الوقت وأصبحوا تحت التصرف المطلق لطريقة واحدة في الحكم تصورها وصاغها ونفذها بورقيبة، في تجاهل كامل للمؤسسات ودون أي اعتبار لما يسمى بالإرادة الشعبية.

أما الإشكالية الثانية الأساسية في الكتاب فتتناول مسألة الكفاح المغاربي من أجل التحرر ودور اليوسفيين فيه. لا أحد يمكن أن ينكر أن اليوسفيين كانوا أكثر إيمانا والتزاما برؤية تجعل من كفاح التونسيين من أجل التحرر جزءا من كفاح أكبر في إطار المغرب العربي، وأن وحدة ذلك الكفاح إحدى ضمانات نجاحه الأكيدة. قدم اليوسفيون شهداء كثيرين على هذا الدرب، وامتزجت دماء الكثيرين منهم بدماء إخوانهم الجزائريين، في إطار هياكل مستحدثة كجيش تحرير المغرب العربي الذي أنشئ في القاهرة بحرص مباشر من جمال عد الناصر وأوكل أمر الإشراف عليه إلى القائد الميداني الشهير الطاهر لسود. والمؤلف لا يقف عند هذا الحد في استقرائه لطبيعة العمل المغاربي المشترك من أجل التحرر، بل يعود إلى دراسة الذهنية التونسية على سبيل المثال من خلال بحثين حول تفاعل التونسيين مع أحداث المغرب الأقصى وبحث آخر حول جيش التحرير الوطني الجزائري بتونس، ليخلص إلى تأكيد فكرة بدت له شديدة الوضوح، وهي أن الحس المغاربي حس أصيل لدى أجيال الوطنيين التونسيين وأنه بالرغم من ذهاب البعض أحيانا إلى اتهام اليوسفية بأنها استوردت الهم المغاربي من مصر الناصرية، فإن اليوسفيين لم يستحدثوا هذا الحس وإنما تفاعلوا معه باعتباره نتاجا طبيعيا لمسيرة تاريخية طويلة. لم يغبط المؤرخ البورقيبية حقها بهذا الخصوص عندما أكد على ما قامت به مؤسسات الدولة الوليدة من مساندة حثيثة للمقاومين الجزائريين المستقرين بتونس، (وإن كان ذلك من باب مكره أخاك لا بطل)، غير أنه أكد على طبيعة الظرف وخصوصية الحسابات التي حتمت على حكومة الاستقلال القيام بذلك.

هل أدت هزيمة اليوسفيين إلى نهاية التيار المؤمن بالوحدة المغاربية في تونس؟ قد يكون ذلك أول ما يتبادر إلى الذهن غير أن ما يمكن التأكد منه أكثر هو أن البلاد فقدت إمكانية أخرى للتعامل مع هذه المسألة غير تلك التي أرسى أسسها الزعيم بورقية وطبقها بعد أن استحوذ على سلطة القرار السياسي بالبلاد. من هنا فإن انتصار بورقيبة في خاتمة الصراع كان فاتحة لتنفيذ سياسة قطرية بحتة جعلت من البناء المغاربي أمرا ثانويا وإن لم تخل الأدبيات الرسمية من تأكيد العكس. انتصرت القطرية إذا على الاتجاه الوحدوي الذي عبر عنه التيار اليوسفي، وقد لقي بورقيبة مساندة متحمسة من الفرنسيين من أجل إلحاق الهزيمة بخصمه، وهو ما تم في النهاية. من هنا نشأت فكرة أخرى كان وراءها اليوسفيون، وهي أن بورقيبة كان "عميلا للإمبريالية المتضايقة من المد القومي". يمكن تفهم ذلك في الإطار المخصوص للصراع، ولكن أن يتواصل الإيمان بذلك في بعض الأوساط إلى حد اليوم، فأمر يدعو للرثاء حقا. قد يرد آخرون: ولكن قطرية بورقيبة حمت البلاد من الوقوع فريسة الفشل المدوي لذلك المد القومي، وسمحت بالشروع في بناء دولة حديثة على أسس أكثر عقلانية مما وقع في بلدان أخرى "أقل تبعية للإمبريالية"، وأسست لنظام سياسي مستقر إلى حد ما.

تلك بعض من الأفكار التي توحي بها مطالعة كتاب الأستاذ عميرة علية الصغير الذي جاء تتويجا لجهد توثيقي كبير ومحاولة لتقديم قراءة لظاهرة سياسية لا تزال تحتفظ إلى اليوم بكثير من الإثارة. لم يسقط المؤلف في هذه الإثارة بالتأكيد بل حاول القيام بعمل المؤرخ القائم على احترام المسافة بينه وبين الموضوع، ونحسب أن نجح إلى حد كبير في تقديم مرجع أساسي لمن رام دراسة هذه الظاهرة.

dimanche 9 septembre 2007

ردود فعل على مقال "قرف العولمة"

Merci à Bassem et à crazyfrog d'avoir réagi à un article qui traduit plus une exaspération et une révolte qu'une réflexion sur la question. j'admets que je suis allé un peu loin dans cette expression d'éxaspération, et que j'ai failli jeter l'enfant avec l'eau du bain... vos réactions me donnent envie de revenir sur cette problématique, pour rectifier le tir... une chose est pourtant sûre, la réflexion sur ce genre de questions n'est jamais définitive...

La réaction de Bassem Khlaf

http://bassemkhlaf.space-blogs.com/

Si je savais quelque chose qui me fut utile et qui fut préjudice à ma famille, je la rejetterais de mon esprit. Si je savais quelque chose utile à ma famille et qui ne le fut pas à ma patrie, je chercherais à l’oublier. Si je savais quelque chose utile à ma patrie et que fut préjudiciable à l’Europe ou bien qui fut utile à l’Europe et préjudiciable au genre humain, je la regarderais comme un crime. MONTESQUIEU Cher Adnan, Je viens de lire ton exaspération et ta révolte contre la mondialisation. Et contre une certaine élite, qui se dit « très moderniste » qui a vendu son âme à un occident, qui n’est pas disposé à faire aucun effort, pour aider les opprimés contre des pouvoirs tyranniques.Le ton était fort et dur, ce n’est pas ton style. Et peut être c’est ce qui explique un certain simplisme dans ton exposé.Est il judicieux d’hiérarchiser, voir d’opposer les droits ?Qui décide que la cause des homosexuels est ou non une priorité ?Posons la question à un homo. Et voyons ce qu’il pense. A moins qu’on considère qu’i s’agit d’une infime minorité, et que les droits se traitent en fonction du nombre des opprimés. C’est généralement l’attitude de l’homme politique. Et le rôle de l’intellectuel est justement de lui rappeler, qu’il s’agit là d’un aveu d’échec.Je comprends ton exaspération vis-à-vis d’une pseudo élite, qui justifie tout acte, toute position et toute proposition du moment qu’elle provient de l’occident. Seulement, ce n’est pas pour autant qu’il faut jeter le bébé avec l’eau du bain.Les droits ne sont guerres opposables. Là une leçon que l’occident qu’on aime, qu’on prenne pour exemple, l’occident des lumières nous a donné.Je comprends aussi, cher Adnan, ta révolte contre une mondialisation sauvage, capitalistique, ou l’intérêt des maîtres du monde prime sur tout le reste. Par leurs égoïsmes et leurs ignorances, on assiste à la destruction pure et simple de ce monde. De la terre.Faire ce constat est une chose. Appeler à un retour en arrière en est une autre.Qu’on le veuille ou pas, La mondialisation s’est installée et pour un bon moment. C’est le sens de l’histoire. Refuser cette réalité, revient à se condamner à rester à la marge de l’histoire. Et être sujet de cette mondialisation et jamais acteur. Montesquieu, disait dans son chef d’œuvre DE L’ESPRIT DES LOIS : « considérés comme habitants d’une si grande planète, qu’il est nécessaire qu’il y ait différents peuples, ils ont des lois dans le rapport que ces peuples ont entre eux ;et c’est le DROIT DES GENS. Considérés comme vivants dans une société qui doit être maintenu, ils ont des lois dans le rapport qu’ont ceux qui gouvernent avec ceux qui sont gouvernés ; et c’est le DROIT POLITIQUE. Ils en ont encore dans le rapport que tous les citoyens ont entre eux ; et c’est le DROIT CIVIL. »
Depuis, l’homme a fait du chemin, comme il ne l’a jamais fait dans son histoire. Et cette « si grande planète » comme disait Montesquieu est devenu un petit village.Il est évident qu’on s’achemine vers un ordre mondial ou le DROIT DES GENS n’aura plus raison d’être. C’est dans cette optique qu’il faut raisonné. Montesquieu d’aujourd’hui, aurait dit : Si je savais quelque chose qui me fut utile et qui fut préjudice à ma famille, je la rejetterais de mon esprit. Si je savais quelque chose utile à ma famille et qui ne le fut pas au
MONDE je la regarderais comme un crime.



La réaction de crazyfrog


http://exipestien.blogspot.com/2007/09/propos-de-la-mondialisation.html

A propos de la mondialisation

Après la lecture de l'article de Mr Adnen Mansar à propos de la mondialisation, je me permet d'exprimer mon avis et ma perception vis à vis de cette mondialisation. Elle n'est pas à mes yeux une incarnation diabolique comme tend à exprimer Mr Mansar, mais une manifestation d'une certaine accélération de l'histoire humaine, basée sur l'information.


La mondialisation ne représente qu'une étape -celle en cours- de la globalisation: un énorme processus évolutif qui a commencé à l'aube de l'humanité et qui n'a cessé d'agir de manière transparente et inaperçue jusqu'à ce qu'il est devenu assez marquant, définissant ce que nous appelons "mondialisation". Ce processus est traduit par une tentation continue à franchir les barrières "naturelles" et ethnique, à connaitre les autres, à les dominer.. Je prend ici, à titre d'exemple loin d'être restrictif, les conquêtes d'Alexandre le Grand: ne s'inscrivent elles pas dans cette vision globalisante et dans cet énorme processus d'évolution des sociétés?


L'Homme n'a pas cessé ses mouvements à travers le monde. Différentes civilisations et différentes cultures se sont rencontrées. A chaque fois, c'était la conquête et la guerre les principaux moteurs de ces échanges. A chaque fois, il y avait des interaction culturelles qui ont marqué plus ou moins sérieusement les groupes concernées et participé à l'évolution des traditions et des moeurs. L'identité d'une société n'est alors que le résultats de siècles d'évolution et une combinaison d'apports d'origines assez complexes, et elle ne cessera d'évoluer. La notion d'identité, à caractère nationaliste, n'a eu droit à ses moments de gloire que grâce à une instrumentation politique visant à réunir les foules autour de l'idée d'une destinée commune, alors que les réalités historiques sont plus que réfutant cette justification.


Ce qui marque la mondialisation en tant qu'étape historique de la globalisation, c'est l'avènement des "nouvelles" technologies de l'information. Commençant par le téléphone et le télégraphe et finissant par Internet et ses différents paradigmes, ces moyens ont réduit de façon plus que significative le temps que prend une information pour arriver, notamment aux décideurs, chefs de guerre, dirigeants d'entreprises..
L'information est au coeur de cette mondialisation qui en tire son énergie inépuisable. Elle a toujours été le moteur de l'histoire humaine même. C'est la vitesse de passage de cette information qui détermine notre perception du temps, donc de l'histoire. Si on a l'impression aujourd'hui que le temps s'écoule plus rapidement qu'auparavant, c'est parce que notre conscience traite un nombre énorme d'informations par rapport à ce qu'il en était usage. Si on admet que les actions humaines sont des réactions par rapport aux informations qu'on reçoit, on pourrait imaginer l'accélération de l'histoire que cela pourrait engendrer. Pour illustrer, imaginons un échange entre deux leaders, loins l'un de l'autre de quelques milliers de kilomètres. L'un voulant imposer des conditions à l'autre afin d'avoir un pretexte de déclarer une guerre dès que l'autre commet une faute à son égard. Plaçons la situation dans deux époques: la notre et 5 siècles auparavant .. Le temps que prendrait l'échange de lettres -avant une déclaration de guerre - dans l'époque lointaine pourrait s'étendre sur des mois.. Alors qu'à notre époque, il suffit d'échanger quelques pauvres "sms" en quelques minuscules minutes pour pouvoir le faire.. Bien sûr, ce n'est qu'une illustration simpliste et ironisante. Regardez l'exemple de la "petite" crise boursière le mois d'août, si les informations concernant la chute des prix de l'immobilier aux Etats Unis ne s'étaient pas propagées avec une telle vitesse et une telle ampleur, serait on passé par cette crise? certes non! Nous sommes ici face à une compression du temps, ou plutôt une intensification des actions humaines dans le temps.

La mondialisation n'a fait qu'accélerer l'histoire, ce qui se passait durant des siècles se passe aujourd'hui dans quelques heures. Dans un monde ou tout se virtualise de plus en plus..

vendredi 7 septembre 2007

قرف العولمة


قرف العولمة


عدنان المنصر

مقال صادر بصحيفة الموقف التونسية بتاريخ 7 سبتمبر 2007، العدد 417

من الممتع حقا اكتشاف الأبعاد التي تأخذها العولمة كل يوم. لم تعد المسألة مقتصرة على الاقتصاد ولا على التبادل التجاري ولا على التصدي للاحتباس الحراري، فقد بدأ مفهومها في التوسع بطريقة مربكة وسريعة ليشمل تقريبا كل ميادين حياتنا اليوم. وفي موازاة ذلك أصبح من الصعب الاتفاق على تعريف واحد وجامع لها، حيث تكاد التعريفات الموضوعة تتعرض لنتائجها وانعكاساتها أكثر من انطباقها على هذه الظاهرة كمسار متحرك. يبدو ذلك نتيجة منطقية لزئبقية الظاهرة التي غدت ترمز اليوم إلى ضياعنا التاريخي. أين ذهبت الدول، وإلى أين رحلت القوميات، وماذا حل بالأمم والأوطان؟ إلى أية حدود ستصل درجة التحلل في الهياكل التي نظمت حياة البشر منذ عشرات القرون؟ ليس بالإمكان توقع درجة السوء التي ستوصلنا إليها العولمة وعمق البئر التي تردينا فيها.

لم تعد الثقافات والخصوصيات الحضارية للأمم وكذلك الإيديولوجيات الضحايا الوحيدة لغول العولمة، بل إن الدول، التي استغرق إنشاؤها وعملية بنائها قرونا عديدة من حياة البشرية، قد أضيفت هي الأخرى لقائمة الضحايا. هل يشعر أي منا بجدية بحماية الدولة له من الأخطار العابرة للحدود أو بقدرتها على وقاية مجتمعها من جشع الشبكات التي غدت تسيطر على أبسط مظاهر حياتنا اليوم وأكثرها روتينا. وأكثر من ذلك، هل لازالت الدول دولا، بمعنى هل مازال بإمكانها التباهي بمقولات مثل السيادة والاستقلال.لم تعد تلك أولويات بالنسبة لها، بل إنها فقدت حتى القدرة على تحديد ما يسمى بالأولويات أصلا، وعوضا عن ذلك أصبح مطلوبا منها بإلحاح كل يوم أن تتخلى عن المزيد، وأن تزيد في الارتباط بالشبكات العابرة للحدود، بل أن تلغي منطق الحدود نفسه.

أين الحدود اليوم في الاقتصاد، حيث نفقد مواطن الشغل كل يوم بسبب عجزنا المتراكم عن تحمل المنافسة القاسية التي تسلطها علينا بضائع الدول الأخرى. كان بالإمكان في السابق توجيه الاقتصاد إلى توفير البضائع للسوق الداخلية وكاد ذلك ينجح أحيانا في بناء نموذج للتنمية. لم يعد بإمكان الدول أن تتبجح بالتحكم في السوق الداخلية لأنه لم تعد هناك سوق داخلية، أصبحت هناك سوق واحدة، معولمة، لا أحد يملك التأثير المنفرد فيها صعودا أو هبوطا. أين الحدود في حروب اليوم ؟ مازالت هناك حتما بعض النزاعات الباقية من الزمن الماضي حيث يتنازع مساكين من هنا وهناك السيطرة على بعض الصحاري والأودية، ولكن حروب اليوم من نوع جديد: حروب لا ترى فيها خصمك وتدار من وراء شاشات كبيرة في قواعد بعيدة، حروب لا بطولة فيها ولا رجولة، حيث لا ترى الضحية سفاحها، ولا تسمع فيها أنات ولا صرخات. وأكثر من ذلك، أين الحرب في حروب اليوم، حيث العدو مجهول، وحيث لا خطوط ولا جبهات. حروب لا مكان فيها لأية أخلاقيات، ولا احترام فيها لأعراض أو حرمات.

هل غدا التفريق بين الخير والشر، تلك القيمة التي تربينا عليها ونربي عليها أبناءنا، أمرا مستحيلا ولا تاريخيا؟ من بإمكانه اليوم القول أن إسرائيل مصدر الشر في العالم دون أن يخشى قيام بعض "الموغلين في الموضوعية" من بني جلدته، المقهورين مثله، باتهامه بالتسويق للظلامية والإرهاب ؟ ومن باستطاعته اليوم أن يثبت أن شمعون بيريز من أكبر المجرمين في تاريخ البشرية وأن لا علاقة له مطلقا بأي نوع من أنواع الطيور غير الجارحة، دون أن ينبري له أحد "التقدميين جدا" ليقول له أن منطق السلام اليوم يفرض علينا أن نسامح وننسى ونضحي من أجل هدف نبيل وأسمى من "الصراعات المتخلفة" و"الشوفينية العمياء": بناء بحيرة سلام تتعايش فيها، دون أية مشاكل، الدلافين وأسماك القرش.

إلى أي مدى يمكن أن يصل بنا الإحباط، وإلى أي حد ستواصل القيم وما تربينا عليه من بديهيات انقلابها وتحللها؟ هل بإمكان عاقل أن يتوقع من اجتماع فرع منظمة للدفاع عن حقوق الإنسان أن يتناول، من كل المصائب والتعديات المسلطة على هذه الحقوق في كل أصقاع الأرض، مشكلة زواج المثليين والتصويت بشبه إجماع على أن ذلك من حقوق الإنسان (ينبغي أن نتوقع تنظيم الفرع لمظاهرات جماهيرية لفرض احترام هذا الحق باعتباره أولوية نضالية، وسيقع لوم الجميع واتهامهم بالرجعية حتما إن لم يشاركوا فيها بحماسهم المعهود). وهل بمقدور أحد منا بعد حرب الصيف الماضي في لبنان أن يتوقع قيام منظمة أخرى لحقوق الإنسان بترتيب عقد مؤتمر في بيروت بالذات، لتناول "جرائم" قصف المقاومة اللبنانية للمدن الإسرائيلية، أو أن يتصور أن إسرائيل تسلم أسرى عربا لدولهم حتى يقضوا باقي عقوبتهم فيها وتلك الدول تقبل بذلك وتنفذه بحذافيره والأرض لا تكاد تسعها فرحا وحبورا.

أي واقع يمكن أن يصل إلى هذه الدرجة من القرف والعدمية؟ على ماذا سنربي أبناءنا اليوم، على قيم اليوم المتحللة أم على قيم الأمس التي يبدو أن تاريخ صلاحيتها قد انقضى؟ هل نربيهم على الافتخار بالانتماء لأوطانهم وهم يرون كل يوم أن الوطنية قد أضحت تهمة أو مدعاة للسخرية؟ وهل ننشئهم على الثقة في الدول التي من المفروض أنها ترعاهم وتحميهم وهم يرونها رأي العين تتآمر عليهم وتصادر حاضرهم ومستقبلهم؟ هل نواصل إقناعهم بالمجهود والعمل كقيمة وهم يكتشفون في كل يوم تغلب الغش وسيادة التحيل وانتصار الفساد؟

ولكن العولمة قد تخفي بعض الإيجابيات، وأولها أنه لم يعد من جدوى لتعويل المقهورين على أحد لتخليصهم مما هم فيه من استبداد وأن مسؤولية ذلك تقع على عاتقهم وحدهم. لقد أضحوا في العراء تماما، لا يملكون سوى ما توحي به إليهم غريزة البقاء التي لم يقض عليها بعد. كل شيء في العولمة يدفع لمقاومتها وأول تلك الأشياء أنها أعطت للديكتاتوريات فرصة جديدة للحياة وأجلت انتقالها إلى الرفيق الأعلى. قوة عظيمة تلك التي يمكن أن تنشأ من وعي الشعوب ببؤس العولمة وبأن زوالها يتوقف على مدى الاستعداد لاستئناف مسيرة التضحيات من أجل تحقيق إنسانية الإنسان. قد تكون العولمة نتاج بناء تم من الأعلى، على شاكلة غطاء الإسمنت، ولكن تفتيتها يبدأ حتما من الأسفل. لذلك ينبغي أن نواصل حماية ما تربينا عليه من قيم وأن ننقل تلك القيم إلى أبنائنا. فما قيمة حياة البشرية إذا ما انعدمت القيم وضاعت بوصلة التمييز بين الخير والشر؟ سنواصل جميعنا تسمية الشر شرا، والعدوان عدوانا، والاستبداد استبدادا، والفساد فسادا، وسنمضي في تربية أبنائنا على ذلك. العولمة انعدام للقيم، وتطبيع مع القبح، وتمجيد للفساد. لنسألهم بتحد: من بإمكانه من أنصار هذه الموجة أن يتبنى "القيم الجديدة" ويدعي في الوقت نفسه أنه لا زال محتفظا بإنسانيته؟ لن يجيبوا.

lundi 25 juin 2007

أعمدة الاستبداد السبعة








الاحتضار المؤلم للديكتاتورية في رومانيا



أعمدة الاستبداد السبعة


عدنان المنصر


: صدر هذا المقال في صحيفة الموقف التونسية بتاريخ 22 جوان 2007 (العدد 411) ولكنه تعرض خلال ذلك لعمليات حذف وقص أثرت على مضمونه. لذلك فإن هذه النسخة هي النسخة الكاملة للمقال وهي التي صدرت بجريدة القدس العربي اللندنية بتاريخ 7 أوت 2007
الرابط:
http://www.alquds.co.uk/index.asp?code=qp18


من المثير ملاحظة التطور الهائل الذي مرت به بعض الأنظمة السياسية التي كانت إلى حد قريب نموذجا متفقا عليه في الاستبداد والطغيان. ورومانيا تشكل بلا أدنى شك مثالا لهذا التطور, فقد انتقلت في فترة وجيزة من دولة تمارس السلطة فيها طغمة تدعي تطبيق الحلم البروليتاري في مجتمع عادل بلا طبقات، إلى دولة ذات مؤسسات منتخبة وذات دستور يسمح بأوسع مشاركة سياسية ممكنة ويضمن كل الحريات الديمقراطية التي تصورتها الليرالية السياسية. فقد رزح الشعب الروماني تحت أبشع أنواع الدكتاتورية طيلة حكم الرئيس الأسبق شاوسسكو لمدة فاقت الخمسة عشر عاما (1974-1989)، ولكن أحدا لم يكن يتوقع سقوطه بتلك الطريقة. ففي ظرف ثمانية أيام، من تاريخ بداية المظاهرات المناهضة له في 17 ديسمبر 1989، إلى تاريخ محاكمته السريعة وإعدامه في 25 ديسمبر 1989، انتهى أمر زعيم احتكر مع زوجته إيلينا كل الوظائف وسام شعبه كل أنواع القهر والمهانة. هل كان نظام شاوسسكو يتوقع أن ينهار بتلك السرعة وهو الذي أعاد المؤتمر الرابع عشر للحزب الشيوعي انتخابه بالإجماع أمينا عاما له ورئيسا للبلاد قبل بضعة أسابيع فقط ؟
لم يكن الأمر ليتم بهذه السهولة لولا التفهم الذي أبداه بعض أركان النظام الذين فهموا عمق التحولات العالمية في تلك الفترة فسارعوا إلى نفض أيديهم من معلمهم العظيم وقائد البلاد المفدى حتى يتسنى لهم تنظيم العودة إلى السلطة من الباب الخلفي. وهذا السلوك، بالرغم من انتهازيته، يعبر عن نوع من التقليد المتبع داخل الأنظمة القهرية عندما تقع التضحية بوجه النظام ليتسنى استمرار النظام نفسه. صحيح أن الشيوعية لم تعد منذ ذلك الحين تحكم رومانيا، وأن اقتصاد السوق قد غزا بذلك آخر قلاع الاشتراكية، غير أن أولئك الذين سيروا النظام السابق كانوا هم أنفسهم من قيض لهم وضع أسس التوجه المستحدث والإشراف على صياغة دستور جديد يسمح للرومانيين بممارسة ما حرموا منه طيلة عقود من الديكتاتورية المتلثمة بالشيوعية. يبدو هذا السلوك طبيعيا إلى حد ما، فلا يعتقد أحد أن بإمكان المصالح التي استغرق بناؤها وتعهدها حوالي نصف قرن من الزمان أن تذوب بين عشية وضحاها. غير أن ما يلفت الانتباه أكثر في المثال الروماني، وما أكثر الأنظمة التي لا تزال تحذو حذوه في عالم اليوم، أن الديكتاتورية سواء كانت شيوعية أو قومية أو حتى ليبرالية، إنما تقوم على مجموعة من الأسس التي لا يتسنى استمرارها بغير تعهدها وصيانتها، وأهم هذه الأسس على الإطلاق هو الفساد.
ذلك أن أبشع الديكتاتوريات تعلم أنه لا يمكن لها أن تحكم إلى ما لا نهاية باستعمال القوة فحسب. فالقمع لديها ليس غاية في حد ذاته، وهي لا تلجأ إليه غالبا إلا مكرهة وفي أوقات معينة، أما سياسة كل يوم فتقوم على أسس أخرى أقل إكراها تجعل الديكتاتورية أمرا مقبولا به إلى حد ما، مرفوضا ولكن متعايشا معه. إن التخويف بالقمع أهم وأجدى من القمع، لذلك يقع بناء جهاز تسند إليه إشاعة الرعب بين الناس ونشر ثقافة الوشاية بين أفراد المجتمع وأحيانا ين أفراد العائلة نفسها، وهو أمر برعت فيه إلى حد كبير أجهزة مخابرات تشاوسسكو وشرطته السرية وخلايا الحزب الشيوعي. وبما أنه لا يمكن تطبيق نفس القمع على الجميع فإنه يقع انتقاء المعارضين الذين يسلط عليهم أقصى اضطهاد ممكن، حتى يكونوا عبرة لمن يعتبر، وليس ضروريا أن يكون ضحايا القمع من أبرز المعارضين بل ينتقون من كل الفئات إذا أمكن، حتى يصل الدرس إلى الجميع. من هنا تتركز شيئا فشيئا القناعة التي مضمونها أن بإمكان أي واقع مهما كانت درجة سوئه، أن يزيد سوءا.
بالموازاة مع هذا المسار، يسعى النظام الديكتاتوري إلى خلق فئة، قد تتوسع لتصبح طبقة في بعض الحالات، من المقربين والمحظيين الذين تناط بهم مهمة التحصيل على درجة معينة من الشرعية للطغمة الحاكمة، وفي مقابل ذلك يسمح لهم الاستفادة من خدمات الدولة وحمايتها، فيشرعون في بناء إمبراطورية المصالح والربح السهل. وفي درجة معينة من تطور هذا المسار، يحصل نوع من الصدام متعدد الزوايا بين النظام السياسي ونظام المصالح ذاك. فإبان الأزمات، وما أكثرها في نمط الحكم الاستبدادي، يشعر جانب من النظام بوجوب التنازل أحيانا وفتح بعض المجال أمام تغيير مدروس يخفف من درجة الاحتقان العامة ويسمح إلى حد ما بتجديد الشرعية المتحللة، غير أن نظام المصالح هو الذي يقف عادة ضد هذا المنحى ويتولى إفشاله غالبا، لأن أي تحرير للنسق السياسي يعني تسليط ضغوط قد تبدأ صغيرة ولكنها سرعان ما تتعاظم، ضده. لا يهدف هؤلاء إلى احتكار أكبر جانب من قوت الشعب فحسب، فهذا لا يرضيهم، وإنما يكون هدفهم التهام كل ما هو متاح وغير متاح، دون اعتبار للمصلحة الإستراتيجية للنظام الذي يفترض أنهم يوجدون معه في مركب واحد. ذلك أن نظام المصالح الاقتصادية يصبح هو نفسه في حالة بناء نسقه السياسي المصغر، فيزيد في التوسع أفقيا ويربط نفسه بمصالح فئات أخرى يلقى إليها بالفتات. وهكذا تتركز إلى جانب الفساد الكبير، الذي تمارسه الفئة العليا من الفاسدين المرتبطين مباشرة بنظام الاستبداد، ممارسة الفساد الصغير الذي يدخل البيوت والإدارات وينتصب على الطرقات. وفي حين يجني المستفيدون من الأول أكبر الأرباح عن طريق الصفقات العظيمة التي يسمح لهم بالفوز بها بتغطية من الإدارة، فإن الثاني يصبح في تطوره السرطاني أخطر وأعم حيث يؤدي في نهاية الأمر إلى تثبيت ليس نظام المصالح الفاسد وإنما نظام الاستبداد أيضا. ويتم ذلك بصورة تدريجية وطبيعية عندما يشعر كل فرد أن القوانين المطبقة وعين السلطة المفتوحة لا تسمح له بحياة طبيعية فيقرر الانخراط هو أيضا في نظام المصالح من موقعه الصغير، وعادة ما يكون المقابل هو تقديم تلك الخدمات الصغيرة التي لا غنى لأي نظام استبدادي عنها وأولها الوشاية.

تغير نمط الحكم في رومانيا بفضل ما أطلق عليه حينها ثورة المخمل ، غير أن الطبقة السياسية لم تتغير إلا قليلا، وبقي نظام المصالح والفساد أيضا في مكانه، وأكثر ما اضطر إليه الجميع هو عملية توزيع أدوار جديدة والتعود على التخلي عن بعض الممارسات القديمة. ذلك أن رموز النظام الشيوعي القديم (وفي مقدمتهم إليسكو الذي سينصب رئيسا جديدا للبلاد) الذين ضحوا بزعيمهم في تلك الثورة ، قد ضمنوا بذلك الحضور الأقوى على الساحة الرومانية الجديدة، وأصبح مسؤولوا الحزب الشيوعي والإداريون القدامى ممثلين بطريقة أكثر من مرضية في النظام الجديد، كما ضمن أصحاب المصالح سيطرتهم على الاقتصاد الروماني المتحرر. ومما يدل على "حكمة" الطغمة التشاوسسكية أن جميع القوانين الهامة التي أحدثت بعد 1989 قد ضمنت استمرار نفس الفئات في السلطة، وخاصة منها النظام الانتخابي الذي يسمح للأحزاب الكبيرة دون غيرها بالولوج إلى البرلمان. وهذا الأمر ليس خاصا برومانيا لوحدها، ذلك أن كل البلدان الأوروبية الشيوعية سابقا تعيش حالة مماثلة، من روسيا إلى بولونيا إلى المجر...إلخ. والفارق الأساسي الوحيد أنه قد استعيض عن الشيوعية التي كانت في السابق غطاء لممارسة الديكتاتورية والفساد بأشكال جديدة من التغطية أكثر نجاعة وقبولا في الظروف العالمية الجديدة.
إن الديمقراطية لا تقضي على الفساد، ولكنها تمكن من أدوات أكثر فعالية لمقاومته. وما حدث مؤخرا في رومانيا يقدم أكبر مثال على ذلك. فقد قامت الحكومة بتنظيم استفتاء شعبي حول استمرار الرئيس الحالي باسيسكو في مهامه الرئاسية بعد أن جمد البرلمان مهامه بمقتضى قانون صادر في 19 أفريل 2007. وأسفر الاستفتاء الذي نظم في 19 ماي عن رفض شعبي(حوالي 75 بالمائة) لإقالة الرئيس المنتخب ديمقراطيا منذ 2004 مما اعتبر هزيمة للأحزاب الكبرى وخاصة للحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يتشكل في معظمه من الشيوعيين السابقين. وقد عاب هؤلاء على باسيسكو بضعة أمور حاولوا تغليفها بطريقة فيها الكثير من "الديماغوجيا الديمقراطية" حيث وجهت إليه تهم من قبيل التدخل في شؤون المحكمة الدستورية، التدخل لصالح بعض الشركات، رفضه تعيين الوزراء الذين تم اقتراحهم من قبل رئيس الحكومة، مشاركته في الاجتماعات الوزارية، التدخل في شؤون البرلمان و التسبب في حالة من عدم الاستقرار السياسي في رومانيا. غير أن ما أغفله البرلمانيون المناهضون لباسيسكو كان الحديث عن حملته لمقاومة الفساد في الحصول على الصفقات الكبرى وسعيه لتوجيه القضاة نحو مزيد من الصرامة إزاء قضايا الفساد ومعارضته الصريحة للسياسات اللاشعبية للحكومة وإعداده لإصلاح دستوري سيقضي إن تم على عهد احتكار الأحزاب الكبرى للساحة البرلمانية، وهذه في ظننا مبررات كافية لسعي البرلمان للإطاحة به.
وبسبب مكافحته للفساد يحظى باسيسكو بتعاطف شعبي عارم من قبل الرومانيين الذين ينظرون إليه بوصفه رمزا لمكافحة الفساد وسوء التصرف. وقد لاحظ الرومانيون كيف عمد رئيس الحكومة تاريسيناو بمساندة من الأغلبية البرلمانية المتوجسة من برامج باسيسكو بإقالة وزيري العدل والداخلية الذين انخرطا بفعالية في مسار مقاومة الفساد، وهو موضوع ذو أولوية بالنسبة للإتحاد الأوروبي الذي انضمت إليه رومانيا مؤخرا، حيث صنفت منظمة الشفافية العالمية هذا البلد كأكثر البلدان الأوروبية فسادا . ولا يملك رئيس الدولة في رومانيا صلاحيات كبرى بالرغم من أنه منتخب مباشرة من الشعب، في حين يسيطر رئيس الحكومة المعين من قبل الأغلبية البرلمانية على معظم الصلاحيات ولا يكون مسئولا إلا أمام البرلمان. وهو نظام هجين بين النمط الرئاسي والنمط البرلماني أريد منه تحقيق تعادل في الصلاحيات بين رأسي السلطة التنفيذية.

لا يشك أحد في طرافة هذه الوضعية: رئيس بلا نفوذ حقيقي ينطلق في حملة لمكافحة الفساد بدون صلاحيات واسعة، وحكومة متآمرة مع البرلمان على منع الإصلاحات وعلى بقاء نظام المصالح والفساد، في تجاهل كامل لتطلعات الشعب. وتكمن هذه الطرافة في أننا تعودنا على النظر إلى البرلمان، مبدئيا، بوصفه الممثل للسيادة الشعبية والعامل على تحقيق إنتظارات الناخبين والمتحفز لتصويب ممارسات السلطة التنفيذية والحريص على سيادة الدستور. ولكن الواقع على الأرض يبدو شديد التناقض مع هذا التخطيط النظري. فقد بنت الطبقة السياسية الحاكمة في رومانيا لنفسها من الحصون ما يستعصي إلى حد الآن عن السقوط، وصمودها في وجه محاولات التغيير الذي صادف أن رئيس البلاد يتبناها ما هو إلا رد فعل طبيعي من قبل فئة اعتبرت دائما أن مسؤوليتها السياسية ليست سوى غطاء تحقق من ورائه مصالحها في الإثراء. من هنا فهي تقاوم بكل ما أوتيت من جهد كل محاولات النيل منها ومن مصالحها، بانية في خضم ذلك كل التحالفات الممكنة (التحالف البرلماني المناهض لباسيسكو يضم أحزاب اليمين وأحزاب اليسار وأحزاب الوسط على حد سواء !) ومعارضة أي تغيير في الدستور يقضي على احتكارها للحياة السياسية.
وتبين نتيجة الاستفتاء من جهة أخرى قدرة الشعب الروماني على اتباع أكثر السبل براغماتية من أجل تحقيق طموحاته. فقد نفض هذا الشعب يديه من البرلمان الذي تشكل بفضل دستور ونظام انتخابي على مقاس الأحزاب الكبرى، وقرر مساندة رئيسه في حربه على الطبقة السياسية الفاسدة، لذلك يتوقع مراقبون أن الرئيس باسيسكو الذي تنتهي فترة ولايته الحالية في 2009 سيفوز فوزا ساحقا في أية انتخابات مقبلة، كما يتوقع أن تنال مساعيه في تحوير الدستور إذا ما وصلت إلى الاستفتاء مساندة شبه مطلقة من الرومانيين الذين سئموا الفساد والفاسدين. ذلك أن الفساد، مثل الاستبداد تماما، يصل في مرحلة معينة من تطوره السرطاني إلى تهديد أبسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة، فيصبح ابتداع سبل التحرر منه، باستخدام الانتفاضة (مثلما حدث في ديسمبر 1989) أو بالتعبير الديمقراطي الهادئ
(مثلما حصل في استفتاء 19 ماي 2007) أوكد من الاحترام الأبله لمؤسسات تخلت عن دورها
.

vendredi 25 mai 2007

الصراع في تركيا: عندما يحول العسكر اللائكية إلى دين جديد




الصراع في تركيا
عندما يحول العسكر اللائكية إلى دين جديد
عدنان المنصر
مقال صادر بالعدد 407 من جريدة الموقف التونسية بتاريخ 25 ماي و2007
وبصحيفة القدس العربي بتاريخ 16 جويلية 2007 ص 18


تعيش تركيا حاليا إرهاصات أزمة ليست في الحقيقة وليدة اليوم، بل إن جذورها تمتد عميقا في تاريخها منذ ما يناهز القرن. وبحسب الموقع الإيديولوجي فعادة ما يقع إرجاع سبب هذه الأزمة إما إلى انغماس الأتراك منذ عهد مصطفى كمال في تجربة وضعت حدا، أو كان يفترض أن تضع حدا، لانتماء تركيا الحضاري، أو على العكس من ذلك للعوائق التي ما انفك جانب من الأتراك يضعها أمام تطور تركيا العصرية وما تعنيه، أو ما قد تعنيه، من قيم الحداثة والديمقراطية والتنمية.

ولعل جانبا من اهتمامنا نحن، غير الأتراك، بهذا الموضوع يعود إلى أن ما يجري في تركيا من صراع مكتوم بين أبناء الكمالية ومعارضيها، يمثل نموذجا لما يفترض أن يؤول إليه الصراع بين تيارين اتضحت معالمهما في عالمنا العربي، تيار يدعي الانتساب إلى الحداثة رافعا لواء التقدمية، وآخر يدعي أنه المعبر عن نبض الشارع في رفضه لما يقول أنه إقصاء الدين من الحياة العامة الذي من شأنه، إن تم، أن يعمق انبتات المجتمع عن قيمه الثقافية وانتمائه الحضاري.
ليس من السهل توصيف الوضع كما يبدو بدون استعمال مصطلحات مثل "علماني" أو "لائكي". ولكن بالرغم من الطابع الإشكالي لهذه المصطلحات إلا أنها الأكثر استعمالا اليوم لتوصيف القوى المتقابلة في معركة لا تريد أن تنتهي. ويعود الطابع الإشكالي لهذه المصطلحات في أنها عادة ما تستعمل في غير السياق الذي نشأت فيه، كما أن لفظ لائكية الذي يقدم عادة كمرادف للفظ علمانية يختزل سياقا تاريخيا مختلفا عن ذلك الذي ظهرت فيه العلمانية. فإذا كانت اللائكية قد ظهرت بفرنسا كرد فعل على قرون السيطرة الكنسية ورغبة في التحرر من ربقة رجال الدين الذين كانوا يسيطرون على الفضاء العمومي بمساندة من الملكية ، فإن العلمانية قد ظهرت بأنقلترا كطريقة مختلفة للنظر إلى العالم خارج التصنيفات والتقسيمات التي كان يفرضها الفكر الديني المسيحي. من هنا تبدو العلمانية في نشأتها أوسع مجالا من اللائكية، ففي حين نظر مبدعوها إلى المجتمع ككل، بما هو منظومة قيم ومعارف، محاولين تأسيس أو إعادة اكتشاف وجود اجتماعي مختلف عن ذلك الذي ترعاه المسيحية، فإن اللائكية كانت تضع نصب عينيها جزءا بعينه من هذا الوجود الاجتماعي، وهو المتعلق بحقل السلطة الزمنية، ساعية إلى تحرير السياسة والحكم من نفوذ طبقة ذات وجود ملموس ومصالح بينة.
وقد كان لهذا الفارق في النشأة بين المصطلحين تأثير مباشر على تطور الممارسة السياسية للنظامين الناتجين عن كلا المفهومين. ففي حين أسست العلمانية لممارسة بعيدة كل البعد عن العداء للدين وللممارسة الدينية، فإن اللائكية عادة ما استخدمت غطاء لتأسيس نظام غير متسامح مع الظاهرة الدينية. بل إن العلمانية مثلت حلا لمشكلة التعايش، داخل نظام سياسي واحد، بين الطوائف والمذاهب المختلفة وربما المتناقضة، مثلما هو الشأن في الولايات المتحدة منذ الاستقلال، حيث يسمح بالتدين، ويمكن للرئيس والوزراء أن يؤدوا صلاتهم في الكنائس وهو أمر لا يثير أي إشكال طالما أن الدولة تعامل جميع المذاهب بنفس الطريقة. من هنا فإن العلمانية تبدو ضمانة للمجتمعات متعددة الثقافات، وهو ما يفسر التسامح الأنقليزي مع الاختلافات الثقافية للجاليات المقيمة في بريطانيا، بحيث يسمح لها بالتعبير عن انتمائها الثقافي سواء باللباس أو الاحتفال أو التدين الظاهر. هذا الهامش من التسامح لا نجده في اللائكية التي ظلت تحتفظ بنظرة عدائية للدين حتمت عليها البقاء مستنفرة لقمع أية مظاهر ثقافية خصوصية ذات طابع ديني، مثلما أوضحت ذلك قضية الحجاب في فرنسا أخيرا.
غير أننا قد لا نكون موضوعيين إزاء اللائكية إذا ما تعمدنا تفسير المصطلح بالممارسة الحالية التي يمكن أن تكون قد انزاحت بمرور الوقت عن الممارسة اللائكية الأصلية. فإذا عدنا إلى الظرفية التي أصبحت فيها اللائكية سياسة رسمية للدولة الفرنسية لوجدنا أن نواب الأمة الفرنسية رغم تصويتهم في 1905 على القانون الخاص بفصل الكنيسة عن الدولة إلا أنهم رفضوا بوضوح أن يؤول ذلك كعداء للدين أو للكنيسة بما أنهما دين وكنيسة. كانت العملية مجرد توزيع للمهام في حقل السلطة بحيث بدت كطلاق بالتراضي بالرغم من الضغوط التي واجهها مشروع القانون آنذاك من قبل "اللائكيين المتشددين" الذين أرادوا أن تبقى للدولة اليد الطولى في الشؤون الدينية من ناحية تعيين الكهنة والتصرف في الأملاك الكنسية وذلك في إطار الصراع بين الدولة الفرنسية والفاتيكان. وكانت تلك الضغوط تهدد بسقوط مشروع الفصل برمته باعتبار أن أنصار الكنيسة داخل المؤسسة التشريعية الفرنسية لم يكونوا بالضعف الذي قد يتصوره البعض. وهكذا جاء نص القانون في نهاية الأمر نتاج توافق على حل وسط بين اللائكيين وأنصار الكنيسة من حيث أنه أكد في فصله الأول على أن الجمهورية تضمن حرية المعتقد وممارسة الشعائر الدينية وفي فصله الثاني على أن الدولة لا تتحمل أية نفقات ولا تدفع أية رواتب للقائمين على المؤسسات الدينية. من هنا فقد كان طلاقا بالتراضي استعاد طرفاه حريتهما الكاملة دون تدخل في شؤون الآخر، وكان أنصار الكنيسة قد حققوا بذلك ما اعتقدوا أنه، في تلك الظروف، أكثر أهمية من التدخل في الشأن السياسي: حرية ممارستهم الدينية دون تدخل من أي نوع كان من قبل الدولة.

وبالعودة إلى تركيا، ففي أية الخانتين نصنف نظامها السياسي؟ لا تبدو تسمية الدولة العلمانية معبرة عن واقع الأتراك اليوم باعتبار أن الاختلافات الدينية والثقافية لا تحظى باحترام خاص من قبل الدولة حيث غالبا ما يصنف أصحابها كانفصاليين تجيش الدولة كل قواها لمحاربتهم باعتبار أنهم يهددون وحدة "الأمة التركية". كما أن تسمية الدولة اللائكية لا تبدو دقيقة هي الأخرى باعتبار أن الدولة لا تزال تضطلع بجملة من المهام الدينية لعل من ضمنها تخصيص حصص دينية للتلاميذ في المدارس الحكومية بالإضافة إلى تعيين الأئمة والمفاتي واعتبارها أماكن العبادة ملكا للدولة. من هنا فإن لائكية الأتراك تبدو في اتجاه واحد: لا حق للدين في التدخل في شؤون الدولة ولكن يحق للدولة أن تتدخل في شؤون الدين وأن تستغله وتستغل مؤسساته وتأثيره لاعتبارات سياسية.
إن تطور الوضع في تركيا طيلة النصف الثاني من هذا القرن قد بين اتجاها جديدا للنظام السياسي في هذا البلد. فبالرغم من أن اللائكية، في نسختها الفرنسية الأصلية أو في نسختها التركية المعدلة قد احتفظت بعلاقة انفصال عن الدين أو استبعاد واستغلال له، إلا أنها في مسيرتها الهجينة قد تحولت بدورها إلى دين جديد ضبطت طقوسه وممارساته وسبل حمايته في نصوص الدستور وعهد لأجهزة الدولة العسكرية والسياسية والخفية بحماية وجوده. فقد استثنى دستور 1982 ثلاث مواد من أية إمكانية للتحوير أو التغيير أو الحذف بل وحرم حتى تقديم مقترحات بالمساس بها، وهي المواد التي تنص على لائكية الدولة التركية. من هنا فقد وضعت المؤسسة العسكرية المؤتمنة على التوجهات الكمالية والتي أوحت بذلك الدستور خطا يحرم تجاوزه حتى على نواب الأمة في مجتمع يفترض أنه ديمقراطي بقدر ما هو لائكي. من هنا فإن الدستور التركي لا يبدو في الجوهر أقل تشددا من الدستور الإيراني من حيث التأكيد على الشكل النهائي للدولة. وتؤكد الممارسة هذه الفكرة بشكل لا يقبل القدح، فبين 1960 و 1997 نفذ الجيش التركي أربعة انقلابات على الحكومة (1960،1971،1980،1997) بدعوى حماية الإرث الكمالي مما اعتقد أنه تهديد محدق باللائكية، وفي جميع هذه الانقلابات كان المستهدف هي حكومات منتخبة ديمقراطيا. بل إن الجيش قام غداة انقلاب 1960 بمحاكمة رئيس الجمهورية وأعضاء الحكومة في محاكمة انتهت فصولها بإعدام رئيس الوزراء عدنان مندريس (الذي كان حزبه قد فاز فوزا ساحقا في انتخابات 1954 و 1957) ووزيري الخارجية والمالية، في حين حكم على رئيس الجمهورية بالسجن مدى الحياة، وقد كانوا جميعا أبناء شرعيين للكمالية. غداة ذلك الانقلاب صدر دستور جديد أحكم من خلاله العسكر قبضتهم على الدولة وهو دستور 1961 الذي نص في فصوله على بعث مجلس للأمن القومي يسيطر العسكر على أغلبية مقاعده و يمتلك حق نقض كل القرارات المتخذة.
تبدو تركيا من هذا المنطلق مجرد ديكتاتورية عسكرية بملابس مدنية حيث يحتكر الجيش صياغة السياسة العامة للدولة بمعزل عن المؤسسات الديمقراطية المفترض أنها تعبر عن السيادة الشعبية. غير أن سيطرة العسكر المطلقة على الوضع بدأت فيما يبدو بالتراخي تحت تأثير عوامل عديدة. ولعل السعي للاستجابة للمقاييس الأوروبية كشرط للنظر في ملف انضمام تركيا للإتحاد الأوروبي هو أحد هذه العوامل التي يحاول أنصار أوردوغان الاستفادة منها اليوم. من هنا فقد قبل العسكر بأن يصبحوا أقلية في مواجهة المدنيين في مجلس الأمن القومي، بل إنهم لجئوا أخيرا إلى تغيير طريقة سلوكهم في الساحة السياسية عن طريق الإحجام عن التدخل المباشر بمناسبة تقديم عبد الله غول ترشحه لمنصب الرئاسة وأحيل أمر البت في دستورية نصاب الجلسة البرلمانية لانتخاب الرئيس إلى المحكمة العليا التي يبدو أنها اكتفت بتطبيق الدستور. من هنا يبدو الإتحاد الأوروبي عاملا قويا من بين العوامل الدافعة نحو تراجع تدخل المؤسسة العسكرية في الشأن السياسي، وهو ما يعني أيضا أن مجرد بقاء أمل الأتراك معلقا بالانتماء إلى هذا الإطار الجغراسياسي من شأنه أن يحمي الحياة الديمقراطية التركية من عدوها الأساسي وهو العسكر. بذلك يمكن أن نفهم أن مئات الآلاف من الأتراك الذين خرجوا في الأسابيع الأخيرة للتظاهر ضد حزب العدالة والتنمية، وهي ممارسة ديمقراطية لا لبس فيها، قد هتفوا أيضا ضد تدخل الجيش في الحياة السياسية محذرين من انقلابه مرة أخرى على الحكومة. ذلك أن جانبا هاما من أنصار النظام اللائكي قد اتضح لهم بعد تجارب مريرة عديدة مع المؤسسة العسكرية أن هذه المؤسسة لا تدافع عن اللائكية بقدر دفاعها عن المصالح التي نجحت في بنائها طيلة حوالي الثمانين عاما من حكم تركيا. من هنا فقد حولت اللائكية إلى نوع من الإيديولوجيا، إلى رأسمال رمزي تستثمره في مواجهة القوى السياسية الأخرى المهددة لسيطرتها على المجتمع. في حين تحول أعضاؤها إلى ما يشبه الكهنوت، إلى طغمة ذات مصالح مادية واضحة.
من هنا فإن الصراع الحقيقي في تركيا اليوم، كما في كل البلدان ذات الديمقراطية الغضة، هو صراع بين المجتمع والاستبداد، سواء كان هذا الاستبداد متدثرا بعباءة الدين أو العسكر أو الاقتصاد. وعلى نتيجة هذا الصراع يتوقف ما هو حياتي بالنسبة لهذا المجتمع: صيانة الديمقراطية الحقيقية المنظمة للاختلاف والضامنة للتداول السلمي على السلطة بما يعبر عن طموحات المواطنين. أما ما عدى ذلك من صراعات، فإن مؤسسات النظام الديمقراطي واحترام الجميع للمبادئ التي يسير عليها كفيلة بعدم تطورها إلى الحد الذي تخرج معه عن السيطرة. لذلك فإن بإمكان الأتراك، بما يملكونه من حيوية وتجربة، أن ينجحوا هذه المرة في تحقيق لائكيتهم الحقيقية، تلك اللائكية التي ستضع إن نجحت حدا لسيطرة الكنيسة الجديدة، كنيسة العسكر المتدثر بالعلمانية، المتخم بالمصالح والاستبداد.