jeudi 7 mai 2009

ديمقراطية الفتوى

ديمقراطية الفتوى

عدنان المنصر

مقال صادر بصحيفة الموقف التونسية بتاريخ 25 أفريل 2009

لعل المتابع للساحة الإسلامية يلاحظ منذ بعض الوقت شيوع ممارسة جديدة يبدو أن الإنفجار الإعلامي الذي نشهده منذ عشرية على الأقل قد شجع عليه: لقد أصبح المفاتي في كل مكان.حتما هناك حاجة للإفتاء، وهي حاجة ملحة أحيانا لكثير من المسلمين الذين عادة ما يتوجهون إلى علماء الشريعة بأسئلة محددة يطلبون إجابات واضحة عليها بما يسمح لهم بتحقيق حالة معينة من التوازن بين ضرورات الحياة المعاصرة ومقتضيات التمسك بالتعاليم الإسلامية المنظمة للعبادات والمعاملات.

لقد أصبح الإفتاء ظاهرة مثيرة للإنتباه منذ وقت غير بعيد. ورغم أن الممارسة قديمة قدم الإسلام نفسه فإن تحولها إلى ظاهرة ملفتة إنما يبدو رهين تطور وسائل الإتصال الحديثة التي أصبح بمقدورها ليس نشر نصوص الفتاوى فحسب وإنما أيضا ربط صلة مباشرة بين المفتي والمستفتي بما يحقق نوعا من "ديمقراطية الفتوى". يمكن اليوم أن يلقي المستفتي بسؤاله إلى الشيخ عبر موقعه الإلكتروني، وكثير من المشايخ قد دخلوا بعد عصر الكمبيوتر على الأقل كأداة نشر، أو برفع سماعة الهاتف والإتصال بالمشايخ الذين أصبحوا يملؤون علينا الشاشات و"يبدعون" في إيجاد الحلول، سعيدها وشقيها، للمسلمين الحائرين. لا نناقش في هذا المقال جدوى الفتوى من عدمها، فالمسألة وإن لم تكن فقهية فحسب فإنها تحقق استجابة لدى حاجة واقعية لقسم كبير من الناس. ما سنحاول تناوله بالخصوص يتعلق بجدوى ومغزى اتجاه معين في الإفتاء نعتقد أنه يرمي إلى تحقيق حاجات بعيدة عن المشاغل الفقهية الحقيقية للمسلمين ويحول "مؤسسة الإفتاء" إلى خادم أمين وطيع في يد مراكز قوى بعينها لا يهمها الفقه ولا الشرع ولا الإسلام بقدر ما يهمها استغلال ذلك كله وما يسمح به من سيطرة على مجموع الناس المعنيين به من أجل السيطرة على مساحة واسعة في الوعي الجمعي.

والحقيقة أن ما نعني به من عبارة "مراكز قوى" يتجاوز الحكومات والأنظمة ليصل إلى كل الهياكل القادرة على بلورة فهم معين للإسلام يحقق لها فائدة مباشرة، سواء كانت تلك الفائدة سياسية، إقتصادية أو حتى معنوية. لم تعد مهمة المفتي سهلة فيما يبدو، بل لعلها لم تكن كذلك أبدا. فهو تحت ضغط دائم ليس من جانب عامة الناس فقط وإنما من تلك المراكز التي تتوجه إليه في مناسبات معينة، من أجل الحصول على غطاء شرعي لقرار اتخذ أو يهيأ لاتخاذه. يذكر الجميع تجربة بورقيبة في هذا الشأن، عندما حاول الحصول على موافقة رجال الشرع، وبخاصة "مفتي الجمهورية" آنذاك على بعض اجتهاداته، وكان ذلك بمناسبة إصلاح الأحوال الشخصية ولاحقا مسألة صوم رمضان للعمال. لمثل تلك الحاجات تقع العودة إلى المفتي، ولمثل تلك الحاجات وجد المفتي أصلا. فالمفتي بهذه الصيغة، صيغة اسم الفاعل، إنما هو موظف كغيره من موظفي الدولة، غير أن مجال اختصاصه مختلف عن بقية الموظفين. لعل المفتي ظهر عندما تبين للدول أن البراغماتية السياسية تقتضي منها إنهاء حالة معينة من "فوضى الإفتاء" التي كانت تجعل من كل المتفقهين، ومن غيرهم، يعتقدون أن بإمكانهم إصدار نصوص فتوى. كانت هناك حاجة لمأسسة الممارسة فظهر المفتي. ولا يهم إن كانت الدولة هي من يوظف المفتي أو أن مؤسسة أخرى، تقع هي ذاتها تحت سيطرة تلك الدولة مثلما هو حال المفتي في بعض بلدان المشرق (الأوقاف)، فالأمر يبدو من هذه الناحية شكليا طالما أن التوظيف يعني إمكانية العزل ودفع الرواتب. ولو عدنا إلى التجربة التونسية لرأينا أن بورقيبة لم يحدث منصب مفتي الجمهورية إلا لتجاوز المعارضة التي لقيتها إصلاحات الأحوال الشخصية، حيث عبر بصراحته المعهودة على طبيعة المهمة المنتظرة من "الممثل الرسمي للإسلام" في تونس.

هكذا إذا فقد كان تركيز الإفتاء كمؤسسة رسمية مرحلة ضرورية في المسيرة نحو تطويع الممارسة التشريعية الدينية وربطها بحاجات الدولة. يظهر ذلك بوضوح كبير اليوم، في كثير من بلاد عالمنا العربي الإسلامي. بل لعل بعض البلدان تضم بالإضافة إلى المفتي موظفين دينيين آخرين لا يقلون عنه نفوذا. فنجد على سبيل المثال أن أكبر وظيفتين دينيتين في مصر هما شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية، ويكفي أن يستذكر إسما الرجلين ليفهم الدور الحقيقي الذي يطلب من مثلهما أداءه عادة. أما في المملكة السعودية فإن رئيس هيئة كبار العلماء ومفتي المملكة هو الممثل الرسمي للمؤسسة الدينية، وتعتبر فتاويه أعلى قيمة نظريا من بقية الفتاوى.

إن ما ينبغي التأكيد عليه هنا أنه لا حدود للخدمات التي يمكن أن يقدمها المفتي الرسمي لسلطة محرجة في مجتمع متدين. يمكن العودة إلى ظرفية غزو العراق الأول وسنرى عدد الفتاوي التي صدرت عن ممثلي الإسلام الرسمي في "جواز الإستعانة بالكافر على المسلم الباغي"، وإلى ظرفية اتفاقية كامب دافيد لنلاحظ "الإجتهادات" والقياسات الطريفة عندما أصبحت تلك الإتفاقية شبيهة بصلح الحديبية (يفترض ضمنا أن السادات يعوض، هنا، الرسول). كما يمكن الإطلاع على بعض مواقف نفس الدول من حرب لبنان (2006) والعدوان الأخير على غزة من خلال الفتاوي الرسمية التي صدرت إبانهما، فقد أفتى أحدهم بعدم جواز الدعاء بالنصر لحزب الله، باعتباره من "الشيعة الروافض المارقين عن الدين القويم"، كما أفتى آخر بأن التظاهر من أجل نصرة غزة إنما هو من قبيل الإفساد في الأرض وشغل المسلمين عن أعمالهم، وأخيرا صدرت عن نفس الأوساط فتوى تعتبر "الجهاد الإلكتروني" ضد المواقع الأمريكية والصهيونية على شبكة الأنترنت غير جائز شرعا. لقد أنستنا تلك الإبداعات فتوى الرضاع !

وبقدر ما تعبر تلك "الإجتهادات" عن حد أدنى من البراغماتية (بغض النظر عن "عقلانية" المسلك) فإن بإمكانها أن تعبر أيضا على أقصى درجات الإنغلاق، والمسلكان، على عكس ما يبدو عليه الأمر، متوازيان تماما. نذكر في هذا الإطار "إبداعين" يدلان على حرص أكيد لدى مؤسسة الفتوى، أحيانا وفي بعض البلاد، على الدخول في أدق الخصوصيات الفردية التي لا نعتقد، مع إقرارنا بعدم امتلاكنا لما يعادل قدرة أساطينها على "التفكير السليم"، أنها تتناقض مع السلوك الشرعي. تتعلق الأولى بتحريم الإحتفال بعيد الحب Saint-Valentin من منطلق أنها عادة نصرانية وأن "من تشبه بقوم فهو منهم"، وتغافلا عن مبدأ "تهادوا تحابوا". أي منطق يجعل الإسلام عدوا للحب مترصدا له؟ أما الفتوى الثانية فقد تفتقت عنها قريحة أخرى اعتقدت أن ممارسة العلاقة الزوجية دون ملابس يجعل العلاقة الزوجية غير شرعية.كم وددنا أن يعلمنا سماحته كيف نفعل ذلك بكامل ملابسنا ! تحضرنا في نفس السياق فتوى "على الهواء" بضرورة إنفاذ قسم الطلاق لمجرد أن الزوجة لم تحضر للزوج المتقدم بالإستفسار كوبا من الماء بنفسها متحدية قسمه ومرسلة بالكوب مع أحد أبنائها. بدا الرجل نادما متحرجا، ولكن سيف المفتي سبق عذل المستفتي. كم نرثي لذلك الرجل الذي قد يكون طلق زوجته من أجل كوب ماء، وكم نرثي له حتى وإن لم يطلقها، لأنه ربما كان يعيش على وهم ذنب عظيم لم يرتكبه، غير أن رثاءنا الأكبر يتوجه إلى من يفترض أن يكون أحرص الناس على نشر قيم الحب والعدل والعطف، ماذا عساه يبقى من الإسلام إذا ذهب كل ذلك ؟

هل ندين بنفس الإسلام؟ هل نقدر الحياة الزوجية والعائلة بالقدر نفسه؟ هل نملك نفس المشاعر؟ كم تبدو مريرة تلك الأسئلة التي تنتابنا من حين لآخر فتعكر، على الأقل، صفو نفوسنا وتزيد الإسلام غربة على غربته. قد يحتج العض بأن الحالات المذكورة شاذة من النوع الذي يحفظ، غير أن ما نراه رأي العين هو ذلك المسار المخيف الذي اتفق أنه في زمن ما حول المسيحية من ديانة رقيقة تقوم على شعور متعال بالذات الإنسانية إلى أقسى المعتقدات وأكثرها قهرا لمعتنقيها. كم هي بشعة تلك الصور التي تنتشر هنا وهناك عن عمليات الرجم الجماعي لبعض النساء بشبهة الزنا في العراق وغيره، غير أن الأبشع هو تحول الإسلام إلى ذريعة لوحشية الدهماء المستفزة. كم هي مؤلمة صور قطع الأيدي والأطراف بدعوى تطبيق أحكام الشريعة، غير أن الأكثر إيلاما هو تحول الإسلام من دين رحمة ومحبة إلى دين حدود لا يقتص سوى من المساكين.

لا يجب أن نسغرب بعد ذلك أن ينتشر إستعمال الفتوى خارج مجال سيطرة الدولة ويصبح أداة في يد الجماعات المتطرفة المسلحة، ذلك أن المنطق الكامن وراء السلوكين هو نفسه. هناك حاجة إلى تقنين التعليمة الدينية ومركزتها واستغلالها من طرف دولة أو مشروع دولة. ولكن في المقابل هناك قبول كبير لدى مجموع المحكومين بذلك طالما كان العنوان هو "تطبيق الشريعة". من الجانبين، لا يبدو أن الوضع يبرر، لسوء الحظ، أي إحساس إشكالي. ما ينسى، في خضم ذلك كله، أن الإسلام رحمة ومحبة، وأن الله لا يمكن أن يحتكر أو يسجن، وأن ما يقال لا يغني عن فهم ما يراد وما يحدث.

vendredi 27 février 2009

عرق المقهورين

عرق المقهورين
عدنان المنصر
نشر بصحيفة الموقف التونسية بتاريخ 27 فيفري 2009

عن المغاربية للطباعة والإشهار صدر مؤخرا كتاب للباحث الأزهر الماجري، أستاذ التاريخ الحديث بجامعة منوبة، بعنوان "عرق البرنوس"، وهو ترجمة لكتاب بول فينيي دوكتون Paul Vigné d’Octon (1859-1943)الصادر في بداية القرن الماضي (1911) والذي حاول فيه أنذاك توثيق البعض من مظاهر القهر الإستعماري في عهد الجمهورية الفرنسية الثالثة (1870-1940) والذي حمل عنوان La Sueur du burnous : les crimes coloniaux de la IIIe République. أحدث الكتاب في حينه ضجة كبيرة في الأوساط الإستعمارية نظرا للجرأة التي تميز بها في فضح التجاوزات الإستعمارية من خلال النموذج التونسي وخروجه عن "ضوابط" الكتابة الفرنسية حول الشأن الإستعماري.
لهذه الترجمة قصة ذلك أن معرب النص وقع صدفة عن نسخة من الكتاب المذكور في مكتبة شركة الفسفاط، عندما أجبر على الإنتقال للعمل في المتلوي في إطار نقلة عقاب بسبب نشاطه النقابي في قطاع التعليم الثانوي. غير أن الكتاب كان معروفا لدى المختصين في حقل التاريخ المعاصر وخاصة من أساتذتنا حيث نجده مثبتا في قائمات المصادر المستخدمة لإنجاز أطروحاتهم. من المفيد أن نشير هنا إلى أن كتاب دوكتون الذي عومل بكثير من الإزدراء من طرف الأوساط الإستعمارية لم يكن مصيره أفضل بكثير لدى الاحثين التونسيين عموما حيث يوضع عادة في صنف الكتابات السياسية التي لا يمكن الوثوق بها. بالرغم من ذلك فإن صاحب الكتاب، النائب في البرلمان الفرنسي ذي الميولات الإشتراكية والفوضوية، قد أنجز كتابه هذا في إطار بعثة تقصي حقائق قادته إلى شمال إفريقيا بصفة متقطعة بين 1907 و 1909. وقد سمحت له مهمته تلك بالإستماع إلى الكثير من الشهود ومعظمهم من التونسيين عن عمليات سوء التصرف والرشوة والإستبداد والإستغلال التي كانت تثقل كاهل الفئات الريفية الفقيرة. يعود للأستاذ الأزهر الماجري الفضل في بعث هذه الوثيقة من جديد وإتاحته كنص مصدري أمام الباحثين والطلبة ومجموع المهتمين بالحقبة الإستعمارية في بلادنا. ولكن مهمة الأستاذ الماجري لم تقف عند حدود التعريب الذي كان جيدا من وجهة نظرنا، بل في القيام بجهد بحثي ترجمت عنه عملية التحقيق التي توخى القيام بها أحيانا وكذلك وضع فهارس ثرية تساعد على مطالعة الكتاب والولوج إليه بيسر أكبر.
هذا الكتاب هو أحد الأجزاء الثلاثة المكونة للنص النهائي لتقرير دوكتون، حيث خصص المؤلف الجزء الثاني والثالث للجزائر والمغرب.يمكن تقسيم الكتاب إلى محاور اهتمام متعددة تلتقي جميعها في توضيح أبعاد العملية الاستعمارية وتأثيراتها على حياة التونسيين. فقد اهتم المؤلف بتحليل أوجه الفساد الإداري في إدارة الحماية والإدارة التونسية، مبينا أوجه الإرتباط يين النظام الإستعماري وبين ظاهرة الفساد. كما تعرض إلى قصية الإستيلاء على الأراضي التونسية من طرف كبار المعمرين والشركات الرأسمالية وبتسهيل من رجال السياسة والإدارة. كما تناول دوكتون قطاع المناجم والسكك الحديدية من خلال مثال شركة فسفاط قفصة ومعاناة الخماسة، إضافة لمواضيع سياسية وقانونية مثل قضية العدلية التونسية ووضع الصحافة وتقييم نقدي لحركة الشاب التونسي.
يلاحظ المطلع على الكتاب تركيز المؤلف على أوضاع الجنوب التونسي، وقد برر ذلك بقوله أن هذه المنطقة هي الأكثر تعرضا للعسف والاضطهاد بسبب بعدها عن العاصمة حيث تتركز السلط وأجهزة المراقبة وحيث يمنع التطور النسبي للرأي العام من وقوع الكثير من التجاوزات أو يخفف
منها في الحد الأدنى. والواقع أن هذه المنطقة كانت باستمرار مسرحا لأبشع أنواع المظالم ضد التونسين، ولا يتوقف الأمر على القبائل المترحلة التي كانت ترى مراعي قطعانها تتبخر بيد الشركات الإستعمارية، ولا على سكان الواحات الرازحين تحت سطوة سلطات مرتشية وفاسدة. فقد أدى الشروع في استغلال الفسفاط وتركيز السكة الحديدية إلى تركيز بروليتاريا متعددة الأصول كانت عرضة لظروف عمل قاسية ولاستغلال متصاعد. يمكن القول أن منطقة الجنوب كانت تشكل خلاصة وضعية النهب الإستعماري والتفقير المسلط على التونسيين. هناك درجة كبيرة من القهر تبدو من خلال وصف الكاتب لحياة هؤلاء السكان، وهو يفضح بالمناسبة جميع أشكال التحالفات التي لا يستمر نظام الفساد من دونها. يطلق المؤلف على المنطقة المنجمية تسمية "الأرخبيل السجني"، في تشبيه واضح بالنظام الإحتشادي، ويسهب في وصف مآسي العمال-المعتقلين الذين تبتلعهم كل يوم فوهات الموت. "أيها الداخلون إلى معتقل قفصة أتركوا آمالكم خارج الباب"، ذلك ما استخلصه المؤلف من تجربته حول بشاعة الإستغلال الإستعماري لليد العاملة المتنوعة ومن انتشار الفساد الذي كان يعتبر مكملا لمنظومة القهر. يبقى العامل باستمرار عرضة لابتزاز الشركة وأعوانها، بدءا من التوظيف الذي لا يمكن أن يتم دون دفع الرشى، وانتهاء بعمليات الإقتطاع الظالمة لأجزاء من الأجر لأتفه الأسباب. تبدو منطقة الجنوب بهذا المعنى عبارة عن منجم شاسع في الهواء الطلق، لا تستغل فيه ثروات الطبيعة فحسب، بل أيضا السكان المحليون أو المستوطنون ذوو الأصول الطرابلسية والجزائرية والمغربية. يلخص الأمر كنه العملية الإستعمارية بوصفها عملية سيطرة واستغلال شاملين يغطيهما الفساد وأنظمة العلاقات المشبوهة والمحمية من السلطة العليا.
تبدو السلطة في هذا الفضاء، مهما اختلفت درجاتها وأشكالها، تونسية أو فرنسية، سلطة تنظم النهب والتفقير والفساد الذي يشترك في جني محاصيله أيضا نواب البرلمان وأعضاء الحكومة في باريس، وهم الذين يسميهم المؤلف "باللصوص الرسميين". لقد أنجزت كامل البنية التحتية للإستغلال الإقتصادي الإستعماري على كاهل دافعي الضرائب التونسيين الذين رأوا أموالهم تتحول نقمة عليهم. ويحيط بهذا النظام سور من القوة الباطشة بكل محتج أو غاضب قد تسول له نفسه التساؤل عن عدالة النظام السائد. لا يفيد هنا أن نعيد التذكير بأن هذا الوضع كان مغطى ببناء كامل من التبريرات التمدينية التي لم تستطع في الحقيقة أن تمنع تطور الحماية الفرنسية إلى الوضع الحقيقي الوحيد الممكن في النمط الإستعماري: استغلال بشع لكل المقدرات ولكل السكان، سيطرة قاسية على كل مفاصل الإدارة، تحالف مع فئات من الأعيان الكواسر الذين لا غنى لكل نظام استعماري عليهم من أجل تحقيق الهيمنة القصوى على السكان.
يسهب دوكتون في تحليل النظام السجني بالبلاد التونسية، وقد جاء وصفه لحالة عدد من السجون مستندا لزيارات قام بها للبعض منها، مستفيدا دون شك من صفته البرلمانية، مستخلصا في النهاية أن وضعية مآوي الخنازير في أرياف فرنسا أفضل حالا بكثير من هذه الفضاءات التي يتكدس داخلها السجناء وقوفا لضيق المساحة: "إنها عبارة عن خراب ومواقع قاذورات تفتقر للحد الأدنى لشروط الحياة الطبيعية مثل التهوئة والنور". طبيعي أن يهلك عدد من المساجين في هذه المعتقلات لأن القايد أو نائبه نسيا أو تناسيا تقديمهما للمحاكمة، كما أنه من الطبيعي أن تتحول تلك المعتقلات إلى بؤر لجميع الأمراض المعدية وخاصة التيفوس.
هل فعل هؤلاء ما يستدعي مضاعفة العقاب بهذه الطريقة؟ يذكر دوكتون أن معظم من التقاهم من معتقلين كانوا كذلك بسبب عدم دفعهم للضرائب، وهي جريمة لا تستحق كل تلك الدرجة من التشفي في عرف الدول المتحضرة والمتخلفة على حد سواء، وكذلك بسبب التجاسر على بعض الأعوان الإداريين التونسيين. لقد كان الهدف هو تحطيم كل إرادة لدى التونسيين، وتحويلهم إلى سوائم تشقى وتعرق ثم تموت. لقد نجح نظام الحماية بوضوح في جلب ولاء عدد من التونسيين إلى صفه، منيطا بهم القيام بكل الجهد الذي يضمن بقاء السيطرة الإستعمارية على الأرض وعلى السكان، والأمثلة عن هؤلاء التونسيين من كواسر المدن والأرياف كثيرة في الكتاب. كان واضحا أن ذلك التحالف هو ما مكن النظام الإستعماري من البقاء فقد كان تحالف مصالح وقع تشييده على كواهل المقهورين ومن أجل استنزاف كل مقدراتهم. تبين مسألة الإستيلاء العقاري شدة قوة هذا التحالف حيث تتحول أخصب أراضي القبائل إلى أراض استعمارية وحيث يفوز ممثلوا السلطة من التونسيين بأجود القطع باستعمال نفوذهم وكل الحيل الممكنة يحميهم في ذلك نفوذهم واحتكارهم لاستعمال القوة والقدرة على السجن وتغاضي الإدارة العليا.
لم يكن للتونسيين من يدافع عنهم في وجه نظام السيطرة القاسي ذاك. عندما أنجز دوكتون تحقيقه كانت قد بدأت في البروز حركة النخبة المثقفة التونسية التي أطلق عليها اسم حركة الشباب التونسي. من المثير ملاحظة النقد الشديد الذي يوجهه الكاتب لرموز هذه الحركة واتهامه لهم بإدارة ظهورهم لمعاناة إخوانهم التونسيين والإكتفاء عوضا عن ذلك ببعض الخطابات والمقالات التي لا تغير من وضعهم القاسي شيئا. يفضح دوكتون مجاملات الشبان التونسيين للإدارة ورموز النسق الإستعماري وتجاهلهم لبؤس التونسيين في المدن والأرساف والمناجم واستبطانهم الإيديولوجيا الإستعمارية: "تمثل هذه الفئات الفقيرة الأغلبية الساحقة في المجتمع أما أنتم والشرائح المدينية التي تمثلونها وتدافعون عن مصالحها فلستم إلا قلة. لا شك أن تأطير هذه الجموع المفقرة وتنظيم غضبها من طرف مناضلين أكثر مصداقية والتزاما سيخلق بالضرورة قوة تحرر ضاربة. هذا هو واجبكم ودوركم الحقيقي أيها الشباب التونسي. يجب أن تكونوا المعبرين الحقيقيين على هذا الألم الريفي الصامت، وهذا الغضب المشروع، وتوظيفه للضغط على المستعمر حتى يكون أقل وحشية وأكثر انسانية. ولئن لم تغير الطرق السلمية شيئا من واقع الأمر عندها يكون من حقكم اللجوء إلى الثورة وهي السلاح الأخير الذي تستعمله كل الشعوب المضطهدة لمقاومة جلاديها"(ص 253-254).
من المفيد للأجيال الشابة اليوم أن تطالع هذا الكتاب حتى تعرف حجم المعاناة التي عاشها آباؤنا وأجدادنا طيلة حوالي القرن من الزمن، بل منذ ما قبل الحماية الفرنسية. ورغم ما يمكن أن يوجه للكتاب من انتقادات فإنه يبقى مصدرا جديرا بأن يطلع عليه. إن ما نجح مؤلف التقرير في توضيحه هي حالة التحالف التام بين المستفيدين من قهر التونسيين واستغلالهم وزيف الإدعاءات بتمدين المقهورين وتطويرهم
.

vendredi 13 février 2009

"حالات هلع"



"حالات هلع"
عدنان المنصر

مقال صادر بصحيفة الموقف التونسية بتاريخ 13 فيفري 2009 (العدد 485)
بموقع أخبار العرب (كندا) وموقع بوابتي

إلى أين يتجه الوضع في ضوء المخاض الحالي في المنطقة العربية بعد محرقة غزة؟ عندما يصدر هذا المقال ستكون نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي قد نشرت، وبما أن الإستطلاعات الإسرائيلية قلما أخطأت فإنه من المتوقع جدا أن تعطي هذه الإنتخابات فكرة عن شكل الحكومة المقبلة: نتنياهو في رئاسة الوزراء، ليفني في الخارجية وافيغدور ليبرمان في الدفاع. في المقابل تتهيأ إيران لإجراء انتخابات رئاسية ستظهر نتائجها الأولية أقل من أسبوع بعد نشر نتائج انتخابات الكنيست الإسرائيلي، وكما هو متوقع فإن "المحافظين" يتجهون إلى فوز ساحق على الإصلاحين المنقسمين، مستفيدين حتما من ظرفية دولية متحدية لإيران ومن نجاحات أحمدي نجاد ومن الدعم الصريح لمرشد الثورة وحرسها.
تتجه الأوضاع نتيجة لهذه الصورة إلى مزيد من التوتر الذي يقرب أكثر من أي زمن مضى المواجهة المحتملة بين إيران وإسرائيل، تلك المواجهة التي يبدو أن عرب الإعتدال هم الأكثر استعجالا لها. وبما أن الوقوف في وجه الطموحات النووية الإيرانية أمر تجمع على ضرورته كل الأوساط السياسية في إسرائيل ( وهو بالتأكيد أحد الأسباب القوية لتصاعد اليمين الإسرائيلي المتطرف في استطلاعات الرأي الأخيرة)، فإن أولئك العرب يطمعون بالتأكيد أن يكون التصدي "للتمدد الإيراني" الشيء الوحيد الناجح الذي تأتيه إسرائيل بعد فشلها في تحقيق أهدافها من العدوانين الأخيرين على لبنان ثم غزة.
وفي الحقيقة فقد ضاقت صدور عرب الإعتدال بإيران ضيقا لا مثيل له في الآونة الأخيرة. ولعل إطلاق إيران قمرها الصناعي الأول في الذكرى الثلاثين لثورتها قد بين اتساع الهوة بين دولة تسعى باستمرار وبلا كلل في إثبات حقها في التسلح والتقدم العلمي والتقني والإقتصادي، وبين محيط عربي يسعى دون هوادة لمزيد الإنحدار والسقوط في هوة التخلف والتبعية. يفترض النظام الرسمي العربي، في بنائه للأولويات التي ينبغي أن تحكم تخطيطه السياسي، أن إيران تمثل الخطر الأول، وأن حماس وحزب الله هما الخطر الثاني، في حين لا نجد إسرائيل إلا في ذيل القائمة. ينطلق ذلك في الحقيقة من قراءة "موضوعية" تعتبر أن التحدي الحقيقي هو المحافظة على النظام الرسمي العربي وليس الحفاظ على مصالح استراتيجية للأمة العربية. ولو نظرنا إلى المسألة من نفس الزاوية التي يتخذها عرب الإعتدال لوجدنا الأمر ينطوي على كثير من "الحكمة". فعليا، لا خطر على النظام الرسمي العربي من إسرائيل، وسنرى أنه مهما كانت نتيجة الإنتخابات الإسرائيلية معبرة عن حالة عامة من التطرف في المجتمع الصهيوني، سيواصل بعضهم، في القاهرة وفي عمان خصوصا، استقبال مجرمي الحرب الصهاينة مهما كانت درجة تلطخ أيديهم بالدماء. سيكون الأمر متعلقا باحترام إرادة "الشعب الإسرائيلي" الذي سيكون قد عبر عنها في "انتخابات ديمقراطية ونزيهة" وسيقال أن العرب الذين لم يتعبوا من "مد أيديهم للسلام" يحتاجون دائما إلى شريك يتفاوضون معه.
هناك شيء وحيد يبرر بعض "الهلع" من استفراد الثالوث المتطرف نتنياهو-ليفني-ليبرمان بالقرار، وهو أن ذلك سيثبت للفلسطينيين مرة أخرى أن لا جدوى من المفاوضات. لن يتنازل هذا الثالوث عن شيء لعباس يرمم به بقايا صورته لدى الفلسطينيين مما يعني مزيدا من الإلتفاف، اختيارا أو اضطرارا، حول حماس. تلك هي القراءة التي تجعل المصريين يستشرسون في محاولة انتزاع اتفاق حول التهدئة مع حماس يعطي للعمل وكاديما فرصة الفوز بالحجم الذي يسمح لهما بتشكيل الحكومة القادمة دون نتنياهو وليبرمان. هناك حالة هلع مصرية حقيقية من رؤية الوضع يزيد إفلاتا من يد سلطة عباس المستنسخة من النظام الرسمي العربي. يسمح ذلك بتفسير إصرار المصريين على إطلاق شاليط في إطار التهدئة وفي مقابل فتح المعابر بما فيها معبر رفح (أصبح المعبر المصري ورقة في يد المفاوض الإسرائيلي)، أي دون إطلاق سراح الأسرى والمعتقلين من حماس. يتخوف المصريون بشكل واضح من إطلاق عدد كبير من الأسرى الفلسطينيين في سجون الإحتلال لأن معنى ذلك سيكون شديد الوضوح: نجاح سياسي لحماس وفصائل المقاومة يزيد من التفاف الفلسطينيين حولها، وعودة المجلس التشريعي الفلسطيني للعمل بإطلاق سراح النواب من حماس الذين اعتقلتهم اسرائيل خدمة لعباس. يعني ذلك أيضا أن المجلس في أول جلسة له سيقر، بالأغلبية المتوقعة، لاشرعية حكومة فياض المنصبة، وانتهاء صلاحية فترة حكم عباس الذي يرفض المصريون التخلي عنه.
وحدهم الفلسطينيون (تستثنى منهم سلطة رام الله والمؤلفة قلوبهم حولها) لا يبدون في عجلة من أمرهم. هناك درجة كبيرة من الواقعية الناتجة عن التجربة تحرك الفصائل في إصرارها على تحقيق مطالبها ولو أدى ذلك إلى دخول نتنياهو وليبرمان إلى الحكومة. "ما ذا يمكن لهم أن يفعلوا أكثر مما فعلوا حتى الآن؟" قد يفسر ذلك عدم تحمس حماس لإعطاء أية مكاسب سياسية للثالوث الحالي يسمح له بمواصلة الإستفراد بالقرار في إسرائيل دون الإلتجاء إلى تحالف مع "المتطرفين"، ذلك أن أية مكاسب للثالوث المذكور تعني مكاسب لعباس وللمصريين حصرا وانتصارا للنظام الرسمي العربي الذي لا يحصد، منذ زمن طويل، سوى الخيبة تلو الخيبة.
يمسك النظام الرسمي المذكور بأوراق عديدة مع ذلك. وأول هذه الورقات هي ورقة رفح والإعمار. هناك إصرار واضح على عدم استخدام المال والثروة العربيين إلا بما يخدم إسرائيل والولايات المتحدة في مسعاهما لتسطيح المنطقة من أي نزوة رفض. لن يدخل شيء إلى غزة طالما تمسكت الفصائل، وحماس تحديدا، بمسعاها للإطاحة بسلطة عباس. وتوقيا لهذا الخطر، استفاقت ضمائر عرب الإعتدال و"العالم الحر" على ضرورة الوحدة الوطنية الفلسطينية. أخيرا ...! لم يبق منهم أحد لم يدع إلى "وحدة الصف الفلسطيني" بما في ذلك سيء الذكر طوني بلير. يساعد عباس أحيانا ببعض الصراخ فيضع على حماس شروطا ليس في موقع القدرة على التفوه بها إطلاقا. لا يمكن للصراخ أن يخفي ذلك الخوف من فقدان السيطرة على الجزء الباقي من الضفة الغربية، ليس أمام إسرائيل (التي نسي الجميع فيما يبدو أنها تحتل كل الضفة الغربية بما في ذلك حدود "المقاطعة")، وإنما أمام حماس. هناك حالة هلع حقيقية من أن يستفيق عباس ذات صباح ليجد أن عليه المغادرة وأن يترك، مثل دحلان وأبو شباك، كل ملفاته بيد حماس أو مؤيديها. تترجم عن تلك الحالة الإيقافات الواسعة وعمليات التعذيب الوحشية والقتل تحت التعذيب ضد معتقلي حماس بالضفة والتي ازدادت وتيرتها بوضوح منذ العدوان على غزة.
هل أصبح الهم الأكبر لدى عرب الإعتدال هو الحفاظ على عباس؟ يبدو أنه لا أحد يترك لهم خيارا. لم يعد هناك حديث عن مروان البرغوثي الذي أشير إليه في السابق على أنه الوحيد القادر على قلب الإتجاه في وجه حماس. لن يقلب البرغوثي شيئا بل سيزيد التأكيد على نهج المقاومة إذا ما خرج من الأسر في اتفاقية التبادل المنتظرة، ذلك ما يفسر أن لا أحد يذكره اليوم ، يا للمصادفة الغريبة، سوى حماس. تتطلع حماس إلى رؤية البرغوثي يعيد السيطرة على فتح ويضعها، مجددا، على السبيل الصحيح بعد عملية الإختطاف التي نفذتها بحقها، وبحق القضية الفلسطينية، عصابة دايتون.
وكما أن مرد خيباتنا المتتالية هم حكامنا، فإن مرد خيبات حكامنا هي إسرائيل التي تحبط في كل مرة تطلعاتهم إلى "السلام العادل" الذي، لفرط عدله ، لا ينصف ضحية ولا يكبح جماح جلاد. لا يرى هؤلاء في كاديما والعمل سوى فرصة لذلك السلام-السراب، ويتناسون عمدا أنه تجاه القضايا العربية جميعا وتجاه حقوق الشعب الفلسطيني خصوصا، لا فرق بين كاديما والعمل والليكود إلا بدرجة القتل الممارس. يستغرق عرب الإعتدال في اعتدال لا يمنح إسرائيل إلا فرصا متزايدة للإجهاز على ما تبقى ويستقتلون في إماطة الأذى عن طريقها، وهم يحسبون أنهم بذلك يمكنون أنفسهم من فرصة أخرى للبقاء. أصبح النظام الرسمي العربي رهين بقاء إسرائيل وتعاظم قوتها، وإلا ما عساهم يبيعون في سوق العالم؟
لا جديد تحت الشمس في بلاد العرب منذ حوالي النصف قرن، حيث تحرك نفس العوامل نفس النخب لتنتج نفس السياسات. هناك حالة ترهل لأنظمة الإعتدال لن ينقذها من حشرجاته المؤلمة سوى إعلان موتها السريري السريع. فرغم أن القضية الأم تضطرم نيرانها في المنطقة العربية منذ نصف قرن أيضا، يفلت تقرير مصيرها من أيدي العرب يوما بعد يوم وتنتقل إلى مراكز ثقل أخرى. فقط دول ثلاث وهي، يا للصدفة المريرة، غير عربية، تشهد حراكا ديمقراطيا يمنحها فرصة حقيقية ومتعاظمة للتعبير عن انتظارات شعوبها ويجعلها معبرة عن التيار الغالب داخل جماهيرها: إسرائيل وتركيا وإيران. أما مصر، فلا داعي لتحريك السكين في الجرح أكثر من ذلك. ما يتجاهله عرب الإعتدال، الذين يرون كل صيحة عليهم، أن قمع الشعوب لا يؤخر مصيرهم المحتوم إلا قليلا، وفي هذا السياق فلن يكون بإمكانهم الصمود إلى ما لانهاية. هناك حاجة إلى حراك ديمقراطي حقيقي في الساحة العربية يتيح تداولا للسلطة يمنع الإنفجار، وحبذا لو تم ذلك بكامل السلاسة. غير أن ذلك لا يبدو متاحا في الظرف الحالي، تماما كما كان عليه الأمر باستمرار عندما تطرح قضية التداول على الحكم في البلاد غير الديمقراطية. لا يبدو أن ارتباط قضية تحرير فلسطين بالمسألة الديمقراطية في المنطقة العربية كان أشد وثوقا مما هو عليه اليوم، وإن الخطر الأكبر على المسار الديمقراطي (الذي يفترض أنه بدأ منذ عقود عديدة) هو إصابة الجماهير باليأس من إمكانية أن يتم التحول بالهدوؤ المطلوب ودون تمزقات مؤلمة. من المحبط حقا أن الجماهير الواسعة يقل إيمانها وتفقد أملها بإصلاح لا يأتي، ذلك أن من يستفيد من ذلك اليأس هم أنصار الإستبداد مهما كانت تلويناته. كما أنه من المحبط لهذه الجماهير ،التي تتناسى أحيانا أن الحرب هناك تكسب بالسلم هنا، أن المعتدلين الذين يحلو لهم أن يسموا أنفسهم بالليبراليين هم الذين يضعون الحاجز تلو الآخر أمام عملية الإنتقال الديمقراطي للسلطة في المنطقة العربية.
ولكن هذه قضية أخرى، فأي مسار ديمقراطي لا ينتج، في الظروف الراهنة، سوى صعودا "للتيارات الخضراء" غير المرغوب فيها. لا يفيد في هذا المجال التذكير بأن الأمر لا يعدو كونه ذريعة أخرى ابتدعت لتأخير ما لا بد منه. "الخوف على الديمقراطية هو الذي يمنع الإنتقال إلى الديمقراطية"، ما أكثر ما تخفيه هذه المقولة من نفاق وسادية. على عرب الإعتدال، ماداموا قد وضعونا في هذا النوع من المفاضلة أن يختاروا هم أيضا اليوم بين انفتاح ليبرالي حقيقي يفرض قواعد التداول الديمقراطي على الجميع، أو بين الخراب الذي تبشر به تنظيمات مثل القاعدة ستزداد قوة ماتواصل الإنسداد الراهن. يبدو هذا النوع من المفاضلة، رغم فجاجته الظاهرة، المبرر الوحيد لإحداث حراك في عمق الفعل السياسي. ما يتوجب على أم الدنيا، وعلى بقية المعتدلين فهمه، هو أن البديل لحماس لا يمكن أن تكون فتح مجددا، فهذه صفحة قد طويت منذ أفرغت فتح من أبنائها ومن خيارها المقاوم، وإنما القاعدة التي تنتظر هناك نتيجة المعركة الحالية طمعا في استثمار يأس آخر. آنذاك، فقط آنذاك،سيصبح هلعهم مبررا .


mardi 20 janvier 2009

نيران صديقة




غزة غراد ... والدونكيشوتيون الجدد



" نيران صديقة "



عدنان المنصر




مقال صادر بجريدة الموقف التونسية بتاريخ 23 جانفي 2009

بدأ غبار المعركة ينقشع بعد عدوان لم تشهد البشرية مثالا له في الوحشية والهمجية، وبدأ عرب الإعتدال في حساب المنافع التي نشأت أو كان يمكن أن تنشأ من انكسار شامل للمقاومة التي واجهت، وحيدة، هذا العدوان. هرع شركاء العدوان إلى شرم الشيخ تاركين جانبا كل المشاغل التي "أعاقت" اطلاعهم على فظائع المحرقة الجديدة و إدانتهم لها. أصبخ المشهد، رغم عهره الواضح، تقليديا: حرب ثم مؤتمر لتشريع العدوان وإعطائه مكاسب سياسية، ثم "معونات إنسانية" ثم ملاحظة أن المقاومة لا تزال موجودة فحصار ثم حرب جديدة.

لم تكن غزة المسرح الوحيد لصراع لا يبدو أن العدوان الأخير قد شكل حلقته النهائية، وهو أمر يعود لعاملين أساسيين: حركة التعبئة السياسية والعاطفية التي أدى إليها العدوان على المستوى العالمي عموما وعلى مستوى الشعوب العربية والإسلامية خصوصا باعتباره تمظهرا لصراع جاوز عمره القرن، وطبيعة المواجهة التي جعلت حماس، بما هي سياسيا وإيديولوجيا، في مقدمة القوى المقاومة لمشروع وأد القضية الفلسطينية. هل العاملان وجهان لمسألة واحدة؟ يميل الكثير إلى القول بذلك، وفي حين يرى قسم منهم القضية بوصفها تأكيدا لدينية و قومية الصراع ضد إسرائيل ويسعى لاستثمار ذلك بكل السبل الممكنة في معارك أقل أهمية، يرى قسم آخر أن المسألة لا تعدو أن تكون "هيجانا عاطفيا" سرعان ما سينقشع غباره مع نهاية المواجهة الحالية وبالتالي مبررا للمحافظة على نوع من المسافة "العقلانية" والهدوء المتعالي عما يحدث.

لا نعتقد أن الصراع في فلسطين ديني بالأساس، وإن كان العامل الديني شديد الحضور فيه, كما أننا لا نعتقد أنه قومي بالأساس، وإن كان العامل القومي، هو الآخر، حاضرا بقوة في ثناياه، غير أننا لا نعتقد أيضا أن المسألة يمكن حصرها في حالة "هيجان عاطفي" لا تستحق منا سوى نظرة باردة متعالية. يمكن، إذا ما نظرنا على المدى البعيد، أن نرى بالعين المجردة، أنه فيما عدا صلب الصراع بوصفه صراعا بين الإنسانية والهمجية، بين العدل والظلم، بين القاهرين والمقهورين، بين أصحاب الأرض ومغتصبيها، فإن كل شيء آخر خضع لقانون النسبية التاريخية. ليست حماس ولا غيرها من الفصائل المقاومة سوى أحد الأشكال التي يتخذها نضال شعب يرفض أن يموت ضد أعتى وأكثر القوى دموية ووحشية في تاريخ البشرية الحديث. لا لزوم لتأكيد هذا الأمر بأمثلة إذ أنه من أكثر الأشياء وضوحا حتى بالنسبة لضعاف البصر والذاكرة. في كل مرحلة من مراحل النضال من أجل التحرر، تظهر حركات تحظى بشعبية هائلة لدى جمهور المقهورين تؤدي وظيفتها "الوجودية" فتنجح أو تمضي كمن سبقها. هذا أمر لا مراء فيه، ورغم ذلك فإن كلا المعسكرين يمانع في النظر إليه على هذا الشكل ويعتقد أنه الوضع النهائي لصراع لا يزال مفتوحا.

هل يحدد تنسيبنا للأمر، أو يفترض منه أن يحدد، درجة الإلتزام الذي ينبغي أن يحرك كل فرد منا تجاه الصراع الدائر؟ قطعا لا وإن بدا الأمر كذلك لدى بعض المغرقين في العقلانية الباردة من أيتام الحداثة المجهضة. ينظر هؤلاء إلى المسألة باستمرار وكأنها لا تهمهم، فينهالون نقدا وانتقادا على المقاومة والمتعاطفين معها، لا يحتفظون من الصراع كله سوى بالحد الأدنى المضمون: إبداء التعاطف مع الضحايا الأبرياء للمحرقة. فعلا، هم غرباء عن الصراع، وككل مغيبي الوعي، لا يفيقون إلا بعد فوات الأوان. إن ما يقلق هؤلاء، أو بعضهم، هو حالة التعاطف الجارف الذي حققته المقاومة، اعتقادا منهم أن حماس بصفتها الدينية والإيديولوجية هي من سيستثمر ذلك. لا يهمهم الصراع إلا من هذا الوجه، فيلقون بالرضيع مع ماء الغسيل دون أدنى أسف. قطعا، ليس ذلك من العقلانية في شيء. يسمى هذا السلوك اصطلاحا بالنيران الصديقة، تلك النيران التي لا تأتي من الأعداء وإنما من الصف الذي يفترض أنه يطلق النار حصرا على من هم في الطرف المقابل. وهذه النيران، رغم أنها لا تحدد غالبا مآل المعركة، فإنها كفيلة بإيقاع خسائر غير متوقعة في "الجبهة الداخلية".

فأن يختار أحد سدنة الحداثة في بلادنا يوم الجمعة 16 جانفي 2009 الذي كان أحد الأيام الثلاثة الأكثر تدميرا في قطاع غزة لممارسة هوايته المحببة في "النقد البناء" للمقاومة وثقافتها أمر مثير للتعجب على أدنى تقدير. فكر الرجل وقدر، ثم عبس وبسر، ثم قال بلهجة مطلق الأحكام الواثق من نفسه الذي تعود دائما بأن يقابل كل ما يقوله بالأفواه المفتوحة إعجابا، أن "حماس ليست حركة تحرر وطني". والسبب الذي بني على أساسه هذا التشخيص: أن "موقفها من حرية المرأة سلبي". أي إبداع هذا؟

ماهي حركة التحرر الوطني؟ ماهي الشروط التي يجب أن تتوفر في حركة مقاومة للإحتلال وللصهيونية حتى يتكرم عليها صاحبنا بالنعت المذكور؟ لا نعتقد أن المسألة تتعلق بالمرأة وحريتها مطلقا، فهذه المسألة لم تكن أبدا حاضرة كأولوية في حركات التحرر مشرقا ومغربا. هناك درجة دنيا من الواقعية تعوز هواة الإستمناء الثقافي، وهي تتلخص في أن الشعوب عندما تقاوم محتلا غاصبا وهمجيا ونازيا، تترك كل شيء جانبا إلى أن يقع تحقيق الهدف الأساسي من حركتها، وهو التحرر. يسمى ذلك "تكتيلا للجهود" و"ترتيبا للأولويات". عوضا عن ذلك كله يمضي صاحبنا ومقلدوه قدما في محاربة طواحين الهواء، في غيبوبة كاملة عن الواقع المحيط بهم. يمكن أن نتفهم الدفاع عن الحريات وبالأخص عن حرية المرأة وحتى عن المساواة في الإرث عندما يتعلق الأمر بنضال سياسي في إطار وطني. لا أحد يشكك، منطقيا، في جواز ذلك. أما عندما يكون الإنسان مهددا في وجوده ذاته، في أرضه وهويته وإنسانيته، فهو من الأمور التي يمكن أن تنتظر قليلا. ما عدا ذلك يسمى هذا السلوك إسقاطا لمشاكل وطنية النشأة على قضية لم يحقق حاملوها الحد الأدنى المطلوب للتمتع برفاهية هذا النوع من القضايا.

يناضل كثير من الدونكيشوتيين الجدد باستمرار، على النمط المذكور آنفا، من أجل قضايا يعتبرونها "أساسية" لمجرد أنهم يهتمون بها. يمكن أن نتفهم نقاء سريرتهم النضالية لو أرفقوا القول بالفعل وكانوا في مقدمة حركة النضال المدني من أجل الحريات، بما في ذلك حريات المرأة. ما يزعج فعلا هو أن المسألة أصبحت مجرد "رأسمال نضالي" وابتعدت شيئا فشيئا عن الواقعية المنتجة. كم من هؤلاء انتقل إلى الأرياف والأحياء الشعبية (التي لا نظنهم يعرفون أين تقع) لتوعية النساء بحقوقهن؟ كم منهم يحترم زوجته بالفعل ويرضى بأن تقاسمه أخته الإرث من والديه مناصفة؟ لا نعتقد أنهم كثر مهما ملأوا الدنيا صراخا.

كان بالإمكان، لو أرادوا، أن يمجدوا في نصوصهم التي لم يصدروها صمود المرأة الغزاوية الفلسطينية الصابرة التي ترسل بأبنائها الواحد تلو الآخر للموت في سبيل حريتها وحريتهم وبقاء الجنس البشري والمحافظة على الكرامة الإنسانية من المهانة، فتلك أيضا مرأة. كان بإمكانهم أيضا أن يقولوا، في المسيرات التي لم يشاركوا فيها، لأهل فلسطين، ونصفهم نساء، أن كل الإنسانية معهم في دفاعهم عن الحرية ضد الإستبداد والهمجية. كان بإمكانهم أيضا لو تبرعوا بدينار لأهل غزة الصابرين أن يدعموا صمود عائلة لليلة أخرى تحت القصف. ولكن عوضا عن ذلك كله فإن ما فعلوه كان إثارة التساؤلات والإستفهامات وطرح المشكلات في غير وقتها وظرفها. كم كنا نحتاج إليهم ولإبداعهم في وجه الدعاية الغربية المعادية لحق الإنسان في الحياة الحرة والكرامة المحفوظة، كم كنا نحتاج لعلاقاتهم فيما وراء المتوسط والأطلسي لنقل صورة مختلفة عن تلك التي تملأ الشاشات والصحف الغربية والتي تتجاهل مجهود الإبادة الإسرائيلي وتصب غضبها كله على مطلقي تلك "الشماريخ" وتعاقب شعبا كاملا بالحصار والقصف. كم كنا سنسعد لو رأوا في التعاطف الجارف مع الأهل في فلسطين نهوضا جديدا يعيد الحق لأصحاب الحق ولو بعد حين عوضا عن تسخيف وتتفيه كل الأشياء الحسنة التي تبدعها الجماهير المكلومة والعاجزة.

لنتساءل جدلا: إذا لم تكن حماس حركة تحرر، فماذا تكون؟ حركة دينية متطرفة مسلحة؟ سنمر سريعا على قضية أنها السلطة الشرعية في قطاع غزة وفي الضفة بعد فوزها في انتخابات حرة ونزيهة شهدت فتح وإسرائيل وواشنطن بنزاهتها، فهذا بالفعل مثير للأعصاب. سنمر أيضا سريعا على التطابق الذي يبدو كليا، في هذه النقطة بالذات، مع وجهات نظر نسميها ولا نصفها بالمنافقة سياسيا. مالذي يمنع شعبا من استخدام كل ما يراه صالحا لمقاومة عدوه وعدو الإنسانية؟ لا يرى هؤلاء أي عيب في الدور الذي لعبه الكاثوليك الفرنسيون في مقاومة النازية إبان الحرب العالمية الثانية، وقد لا يرون أي ضرر أيضا في الدور الخلاق للكنيسة الإفريقية في مواجهة نظام الميز العنصري في جنوب إفريقيا، ولكنهم يرفضون بإصرار غير مبرر أن يكون للإسلام أي وظيفة في مكافحة الصهيونية والصلف الإسرائيلي. يعتبرون ذلك ضد التاريخ، وضد المنطق، وضد الحداثة. يخيل إليهم، سفها، أنهم المؤتمنون على ذلك كله، ولكنهم يغفلون (عن قصد؟) أنهم إنما يروجون لسيادة إسلام من النوع الذي يتطابق مع تصورهم ومع المضمون الذي يشحنون به عقول مريديهم. يصعب عليهم أن يروا في الإسلام غير مصدر للهزء والإستنقاص، وينسون أنهم في مسعاهم ذاك إنما يفهمون، هم أيضا، الواقع من خلال النص وليس النص من خلال الواقع كما يحلو لهم أن يروجوا. نرثي لهم فعلا فهم يرون كل شيء يسقط على رؤوسهم ويكذب "نظرتهم الثاقبة" وحداثتهم "اللاتاريخية" ويوقعهم في الإسقاط تلو الآخر. عوضا عن مراجعة أنفسهم بالشجاعة التي يطلبونها من غيرهم، يستمر هؤلاء في محاربة طواحين لا تنتج غير الرياح، في النظر إلى الوجود كله من خلال زجاج نوافذهم الضيقة المضببة، فيظلمون الإنسان والتاريخ والعقل والحداثة.

ليذهب هؤلاء إلى فلسطين وإلى غزة تحديدا، ولتكن لهم، هم أيضا، الجرأة على مراجعة أفكارهم. سيرون أن هناك شعبا صنع من الحجارة سلاحا، ومن "الشماريخ" سلاحا استراتيجيا ومن الصمود قاعدة ينمو عليها التاريخ من جديد ومن الإسلام دينا يساعد على الحفاظ على الجنس البشري . سيرون أن التاريخ ما يفعل وليس ما يكتب أو يقرأ، وأن الجغرافيا أمر يستحق ولا يوهب، وأن المنطق هناك أن تتمسك بوجودك، وأن كل الباقي، مجددا، مجرد تفاصيل.

samedi 10 janvier 2009

غزة غراد... وعرب الإعتدال

غزة غراد... وعرب الإعتدال

عدنان المنصر



مقال صادر بجريدة الموقف التونسية بتاريخ 9 جانفي 2009



حصل أخيرا ما كان في دائرة المتوقع منذ مدة طويلة. لا يتعلق الأمر بالعدوان الذي تشنه اسرائيل على قطاع غزة منذ حوالي الأسبوعين، فهذا العدوان لم يتوقف مطلقا منذ أزيد من ستين عاما وأصبح خبز أهل فلسطين اليومي منذ جيلين على الأقل، بل بشكل الرد الذي وجده ذلك العدوان، في حلقته الراهنة، من صمت مريب لدى الدول التي "تقود" العالم العربي ولدى فئات معينة ممن يفترض أنهم مثقفون ملتزمون بقضايا الحرية والعدالة وكل "القضايا الإنسانية النبيلة".

لا أحد يحسد حكام مصر اليوم على الموقف الذي وجدوا أنفسهم فيه بل وأوجدتهم فيه جغرافيا قاسية. نفس الوضع تقريبا مر به حكام الأردن منذ بضع سنوات أثناء الحصار الذي سلط على الضفة الغربية والذي انتهى بتسميم عرفات. كانت نهاية عرفات تلك أكبر انتصار حققته الدول العربية "المعتدلة" منذ امضاء أول اتفاقيات "سلام" بين العرب وإسرائيل. وللتذكير فإن كلا من الضفة الغربية وقطاع غزة كانتا من غنائم حرب الأيام الستة فازت بهما إسرائيل، يا لسخرية الأقدار، على حساب مصر والأردن بالتحديد. منذ ذلك الوقت لم يحدث شيء فعال لمنع تعميق اختلال ميزان القوى بين الكيان الناشئ من جهة وكل العرب من جهة أخرى إلا والتف حوله "المعتدلون" لإفشاله. معتدلو اليوم هم فاشلو الأمس، هذا أمر لا مراء فيه مهما بلغت المساعي لجعل ذلك الأمر نسيا منسيا. كان عليهم إذ قرروا أن لا فائدة من الحرب أن ينزلوا النسور من على راياتهم ويجعلوا مكانها حماما أبيض، وأن يبدلوا اللون الأحمر القاني فيها بأحد مشتقات الأزرق الوديع.

لا أحد يقدر أن يعيش كامل حياته منافقا، فالنفاق لا يكون إلا تكتيكا لمرحلة. لذلك فإن هؤلاء ليسوا منافقين مطلقا وهم بتعرضهم المتواصل لهذه التهمة يعيشون ظلما من الضروري تحريرهم منه. هؤلاء أصحاب قضية بالفعل، وقضيتهم هي "الإعتدال" غير أن عيبهم الوحيد ربما هو تطرفهم فيه. يحلو للبعض منهم رغم ذلك أن يستذكر ماضي خدمته العسكرية وأن يخرج من أدراج الزمن زيه القتالي وأن يفتخر بانتمائه لسلاح الطيران. ذهب كل شيء منذ وقت طويل ولم يبق من أندلس سوى ذكراها. يجاهد هؤلاء كثيرا منذ أزيد من ثلاثة عقود لنشر تصورهم عن "سلام" لم يفتأ منذ ذلك الوقت يزداد ابتعادا. من المثير ملاحظة الشبه الشديد في مواقف هؤلاء من كل المواجهات التي حصلت منذ 1978، وسواء كان في الصورة ثوريون علمانيون أو شيعة ملتزمون أو سنة تقطعت بهم سبل التاريخ، فإن رد الفعل كان دائما نفسه. في كل المراحل كان أبناء "أم الدنيا" الرسميون يرفضون أن "يزايد عليهم أحد" في وطنيتهم وانتمائهم القومي وينجحون، دائما أيضا، في العثور على مسوغ استراتيجي يغطي عورة الموقف. ذهب الإتحاد السوفياتي إلى غير رجعة وذهبت الأنظمة القومية التقدمية وذهبت معها منظمة التحرير فكان ذلك فألا حسنا "للإعتدال". منذ ذلك الوقت والمعتدلون يبحثون وراء الأكمات ويعثرون دائما، يا للمصادفة، على إيران. أصبح الشيطان أخضر بعد أن كان أحمرا، ولكن الخضرة درجات.

من المهين أن مصر التي استطاعت تكتيل العالم العربي وراءها في هبتها القومية الرائدة قبل بضعة عقود تفقد منذ ذلك الوقت أسس أمنها القومي والقطري وتسقط بتطرفها في الإعتدال كل الأوراق حتى أصبحت بكاملها عورة مثيرة للخجل. جعل التطبيع مصر أكثر ضعفا ولم يغنم منه المصريون سوى المزيد من الفقر والمهانة ومنذ حرب لبنان 1982 لم يفعل حكامها سوى التفريط في عمقها القومي والإستراتيجي. أضعفت مصر العراق بعد أن دفعت به إلى أتون حرب مدمرة ضد إيران ثم كانت من ضمن من أجهز عليه، كما أضعفت منظمة التحرير وياسر عرفات. نتذكر جميعا خزي الموقف الرسمي المصري تجاه ياسر عرفات المحاصر في المقاطعة، ولم يكن ياسر عرفات من حماس ولا من الجهاد. ونتذكر أيضا الموقف الأكثر خزيا من الهجوم الإسرائيلي على لبنان في صائفة 2006. من سوء حظ مصر أن محاولاتها الدؤوبة للحد من النفوذ الإيراني في العالم الإسلامي لم تزد ذلك النفوذ إلا تعاظما ولكن أكبر مصائب مصر على الإطلاق هو فقدان أي دور هام لها تجاه الصراع المحتدم في فلسطين. حتما ليست إيران وحدها الرابحة من تراجع مكانة مصر فتركيا العائدة بقوة إلى الساحتين العربية والإسلامية من أكبر المستفيدين من ذلك التراجع. شيئا فشيئا يفلت العالم العربي من بنيه تحت ضغط "الأعاجم" العائدين من أعماق التاريخ. "إن تركيا لها تاريخ في هذه المنطقة وعليها مسؤوليات"، يلخص هذا التصريح لأوردوغان تلك العودة، ولن يمر وقت طويل حتى يجد عرب الإعتدال أنفسهم دون بضاعة يعرضونها في سوق السلام.

بنفس العجز عن الفهم يدار الوضع الداخلي. يخضع سبعون مليون شخص إلى سطوة الأحكام العرفية منذ حولي الثلاثة عقود ويتصرف الحكم وطغمته في مقدرات البلد كقوة احتلال مع ميل واسع إلى ارتكاب جميع المنكرات الإنتخابية. عندما يتقيأ رئيس أكبر دولة عربية ويتغوط وزير خارجيته بما سمعنا من كلام نفهم بشكل شديد الوضوح المعنى الذي يعطيه هؤلاء للإعتدال فلا تعود لنا أية شكوك فيما يدفع القوم: هؤلاء ليسوا منافقين ولا خونة، هؤلاء جزء أساسي من حركة العدوان التي تقودها إسرائيل. وكما أن الدجاجة لا تفرخ إلا صيصانا، فإن الإعتدال لا يفرخ إلا معتدلين والإستبداد سوى مستبدين والفساد سوى فاسدين. إن قدرة نظام معين على الإستمرار لثلاثة عقود لا تفسر إلا بطبيعة التحالفات التي استطاع نسجها طيلة مسيرته "المظفرة". تتجاوز تلك التحالفات حدود الوطن والإقليم ولكن أكثرها فعالية تلك التي نسجت في الداخل. يتجمع حول النظام سديم من المنتفعين، رجال أعمال مثقفين، رجال دين، ممثلين...إلخ، ويضع كل منهم خبراته وقدراته تحت تصرفه فتبدأ عملية تشييد عالم مواز للعالم الواقعي. ينشئ الفساد عالمه الخاص الذي يزداد ابتعادا عن العالم الحقيقي وسيطرة عليه في الوقت نفسه.

نفتقد في هذه الأيام شيخ الأزهر وغباءه المتصنع. الرجل ليس غبيا كما يريد أن يبدو عليه. أي مثال للمسلمين يقدمه "الزعيم الشرعي للإسلام" (الذي يرى في نفسه، لشدة حمقه، ندا لبابا الفاتيكان) عندما يكذب على الملأ ثلاث كذبات في ثلاثة أيام؟ وبقدر ما أنه ليس غبيا فالرجل ليس منافقا أيضا، أما إيمانه وشدة تمسكه بتعاليم دين لا يشجع على الكذب، فذلك أمر ليس من شأننا. يقدم الرجل صورة للإسلام تحت الطلب ويستنجد به في كل مرة للتغطية على بعض العورات. أما في الجهة الأخرى من الصحراء فلا يفعلون ما هو أفضل فقد أفتى كبيرهم، الذي يعلمهم السحر، بأن المظاهرات المنددة بالعدوان على غزة هي من قبيل الفساد في الأرض لأنها تمنع العمل المنتج وتعطل العبادات. من تحت الألحاد يستنشق إسلام الأمراء رائحة الحياة ويستجمع قواه للوثبة الأخيرة. من المخزي للمعتدلين أن يكون الإسلام الذي يدافع عنهم من النوع المنتهية صلاحيته التاريخية، فذلك يبشر دون أدنى شك أنهم، مثله تماما، أصبحوا خارج التاريخ. يقوم الرجلان بالدور المطلوب بكثير من الحماس الذي لا ينافسهما فيه سوى بعض "الزعماء" من قدامى "المشاغبين". نكتشف منذ فترة قدرة كوميدي مثل عادل إمام على التحليل السياسي والإستراتيجي ولا نملك إلا أن ننحني تقديرا لفطنة من أولى مهمة الدفاع عنه لأمثال ذلك الرجل.

ينخرط الجميع في مجهود جبار لتطويع الرأي العام الذي لا يريد أن ينسى "الأهل في فلسطين". ما هو منسوب الغضب ضد الديكتاتورية في المظاهرات التي خرجت في كل مكان للتعبير عن التضامن مع غزة؟ تلك المظاهرات لم تظهر فقط حجم "التعاطف" مع قضية العرب والمسلمين الأولى بل أظهرت أن هناك رأيا عاما ميالا للتمرد على السياسات التي تنتهجها قياداته الرسمية، وقد فهمت تلك القيادات الأمر على هذا النحو بالضبط. ما يخيف بالفعل، من منظور تلك القيادات، أن الفضاء العمومي قابل للسقوط في يد الجماهير السائبة في كل لحظة رغم كل الجهود التي وقع القيام بها من أجل حصر هذا الفضاء والتضييق عليه بل وإلغائه تماما في بعض الأحيان. كم هي قاسية المعركة التي تتم على الفضاء العمومي اليوم، لا ينافسها قسوة سوى ما يتم على أرض غزة. لا يراد لتلك الجماهير أن تتعود على الغضب ولو كانت الذريعة تبعد آلاف الأميال، فالتاريخ لا يؤتمن جانبه. وذلك هو بالفعل ما فهمته القيادات ، ولكن ينبغي توفر أشياء أخرى غير الفهم لتغيير مسار الأشياء.
مسار الأشياء، ذلك هو الخيط الذي ينبغي التمسك بتتبعه في زحمة الأحداث المتسارعة. من أصدق ما قالته تسيبي ليفني على الإطلاق في معرض تعليقها على المظاهرات الضخمة التي خرجت تندد بالعدوان على غزة في كل العالم العربي، أن "العرب يثبتون كل يوم أنهم ضد السلام". نعم، العرب ضد السلام الذي يصادر حقوق شعب محتل في الأرض والكرامة وليس من قوة على الأرض، ولا في السماء، يمكن أن تقهر إلى ما لانهاية توق الشعوب إلى التحرر. من حسن الحظ أن هناك شيئا اسمه إسرائيل يذكرنا بهذا القانون التاريخي الصارم وبأننا فلسطينيون عندما ننسى ذلك. لا أفق لسلام من النوع الذي يروج له عرب الإعتدال، فإسرائيل تتكفل تطوعا بإغلاق كل المنافذ الممكنة أمامه. أصبحت إسرائيل، بقيادتها لعرب الإعتدال في التصدي "للإرهاب" و"بتطابق المصالح النادر" بينها وبينهم، زعيمة النظام الرسمي العربي، وهذا في حد ذاته يعطي لمظاهرات المساندة لغزة بعدا جديدا آخر. يثير الأسف استيعاب الدعاية الصهيونية التي تجعل من المقاومة عملا مرتبطا بحركة حماس، لأن الهدف من ذلك هو استعداء قطاعات مؤثرة في الرأي العام العربي والدولي ليس للحركة بحد ذاتها ولكن للمقاومة كمنطق وكإستراتيجيا، فقد استعمل نفس المنطق وسادت نفس المبررات خلال مراحل طويلة من الصراع، عندما كانت حماس لم تولد بعد. لم تمر على إنشاء دولة إسرائيل سوى ستون عاما، ومع ذلك فإنها تبدو وكأنها في خريف عمرها ولن ينفعها تعويلها على خدمات المعتدلين شيئا على المدى المتوسط والطويل. فمنذ إمضاء أول اتفاقيات سلام قبل ثلاثين عاما، لم يزد عرب الإعتدال إلا عزلة وهزالا، فاشلين في تغيير الوعي العربي والإسلامي بالعداء للكيان الغاصب ولو قيد أنملة. نشأ منذ ذلك الوقت جيل جديد، ولم يتغير شيء في الصورة. وها أن إسرائيل، ومعها عرب الإعتدال، تجسم بالعدوان على غزة مرحلة مفصلية في مصيرها المحتوم. لن تحقق إسرائيل شيئا هاما في هذا العدوان مهما بلغت وحشيتها ومهما بلغت قيمة الخدمات التي يقدمها لها عرب الإعتدال، فحركة التاريخ تسير في الإتجاه المعاكس تماما. منذ أزيد من قرن على انطلاق حركة الإستيطان الصهيوني في فلسطين، وبرغم المساندة القوية التي وجدتها من قبل القوى الدولية الكبرى، لم تستطع إسرائيل أن تندمج في بيئتها الجغرافية والبشرية ولم يغير تحولها إلى "دولة" منذ عقود ستة من الأمر شيئا. في المقابل اكتسبت الأمة بالتدريج المناعة ضد كل المشاريع التي أريد لها أن تسوق للواقع اللاشرعي الجديد وطورت مخزون صمود لا حدود له ضد كل الهمجية الصهيونية وضد دعايات المعتدلين. وحده الهدير الجارف للأجيال المقاومة والصامدة يسير بموازاة حركة التاريخ، وكل ما عدا ذلك مجرد تفاصيل.

lundi 5 janvier 2009

مهددون بالرفت من دائرة الوطن

الوطن..... قلم وممحاة

مهددون بالرفت من دائرة الوطن

عدنان المنصر

أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة سوسة

مقال نشر بصحيفة الموقف التونسية، العدد 478 بتاريخ 26 سبتمبر 2008

كنت مصادفة بأحد الأسواق الأسبوعية الكثيرة ببلادنا، حيث يكثر الضجيج ويتعالى الصياح لأتفه الأسباب ويكثر العراك بدون موجب(وأنا عادة أكره الزحام ولكنها زوجتي سامحها الله). ولكن ما أضفى على المكان نكهة جديدة لم يكن مما نجده عادة في مثل هذه الأسواق التي يتداعى لها الناس من كل فج عميق، وإنما أناشيد وأغاني وطنية كانت تبثها مضخمات صوت عملاقة، من نوع تلك الأغاني التي يكثر بثها في مناسبات سياسية معينة والتي تسرف في التغني بوطن يقسم بكتابة اسمه على شمس لا تغيب وبجود شعبه وكرمه الذي لم يترك لغيره من الشعوب شيئا في مضمار الشجاعة والإقدام. للحظة ساءلت نفسي إن كان اليوم يصادف عيدا وطنيا غير أنني لم أجد شيئا يوافقه في روزنامة الأعياد الوطنية. ولكن سرعان ما جاءني الجواب من مكبرات الصوت ذاتها التي كانت تبث بين أغنية وأخرى نداء من بلدية المكان للمواطنين لدفع ما تخلد بذممهم من أداءات.

لماذا يستدعى الوطن في كل المناسبات، كبيرها وحقيرها، ويرفع كتهديد في وجه أبنائه؟ يفترض بحسب السياق أن من يتلدد في دفع ما ترتب عليه من أداءات لا يساهم في رفعة شعبه ولا هو بالشهم الكريم أو بالشجاع الهمام، أي أنه ببساطة، وفي أدنى الحالات، لا ينتمي للوحدة المتغنى بها. لا نناقش هنا الموقف من الأداء البلدي أو من غيره من الأداءات، وإنما الإبتذال الذي أصبح يعامل به الوطن والوطنية كمعاني يفترض أن لا تستدعى إلا عند المناسبات الكبيرة. غير أن القوم لم يعودوا يفرقون بين المناسبات الكبيرة التي تستحق أن يستدعى فيها الوطن وبين المناسبات الصغيرة التي لا تستحق أن يستدعى فيها أحد. وفي المقابل فإن الواحد منا الذي يفترض بداهة أنه مواطن، يعيش مواطنته ووطنيته ووطنه كحالة وقتية حيث سيوجد دائما من يشكك في انتمائه لوطن مفترض ويثير حوله كل التساؤلات الخبيثة الممكنة. نبدو في حالة توقع الأسوأ باستمرار. من واجبك أن تسجل في القائمات الإنتخابية، حتى لو لم يحتفظ باسمك فيها. من واجبك أن تقترع حتى لو احتسبت ورقتك وكأنها لم تكن. من واجبك أن تدفع الأداء البلدي وكل الأداءات الأخرى حتى لو لم ينلك من عناية البلدية شيء وقضيت حياتك تطالب بخدمات لا يوفرها أحد. من واجبك أن تستهلك المنتجات "الوطنية" (كيف تكون منتجات ما "وطنية"؟) حتى لو سببت لك كل الحساسيات الممكنة. من واجبك القيام بالكثير من الأشياء، حتى لو لم تحصل في المقابل على شيء. في حضور منطق الواجب وغياب منطق الحقوق، نبقى مهددين بالرفت من دائرة الوطن، وكأننا حللنا به البارحة، وكأن زوارق متخفية ألقت بنا على شواطئه ذات ليل، وكأن علينا أن نمضي على سجلات حضورنا فيه كل يوم مرتين.

وفي المقابل، يسطو البعض منا على الدفتر والقلم والممحاة. لا أحد يجرؤ على المطالبة بوضع الدفتر في متناول المواطن الكريم، فهو من الوثائق بالغة السرية التي يعتقد أنه ليس بمقدور أحد غير الدولة حمايته من أيدي العابثين ذوي النفوس المريضة المصطادين دائما في المياه العكرة (بالمناسبة، ينبغي التفكير في توفير مياه نظيفة يمارس فيها هواة الصيد نشاطهم المحبب). بسرعة شديدة حللنا في فضاء اختلطت فيه المفاهيم حابلها ونابلها، أصبح الوطن والدولة والواجب والسياسة المتبعة تعني أشياء شديدة الشبه بعضها ببعض. يستخدم هذا الخلط كطريقة ومنهج في التسييرلا يجوز أن يوضع موضع تساؤل ويستفيد الجميع من هذا الخلط، ما عدا الوطن والمواطن. في خضم ذلك الخلط المقصود تنجز أكثر القفزات البهلوانية طرافة. تعودنا منذ زمن صار طويلا أن نسمع شعار "الدولة كحام ومدافع ومؤسس المجتمع المدني" حتى أنه لم يعد يعني لنا شيئا أن نناقشه ونقف على بهتانه شديد الوضوح: لا يمكن للدولة مهما كانت ديمقراطية أن تقوم بذلك الدور، فالمجتمع المدني هو بالطبيعة نقيض للمجتمع السياسي الذي تمثله الدولة.

والحقيقة أن التكثيف المتعمد في استعمال الرموز له ما يبرره من وجهة نظر ممثلي المجتمع السياسي. فالمسألة بالغة الأهمية: يوحى من خلال بعض تلك الرموز بوجود عقد اجتماعي ما ينبغي على المحكومين احترام بنوده ولكن لا أحد سيتساءل أمام تلك الكثافة القاتلة في استخدام الرموز الجمعية عن احترام المجتمع السياسي لبنود العقد المذكور إن وجد. يعني ذلك، من ناحية المبدأ، أن العقد الإجتماعي بين الحكام والمحكومين، ضروري لتسيير المجتمعات بأقصى حد ممكن من النجاعة والرضى، وهذا في حد ذاته من الأمور المحمودة. لا يتعلق الأمر بطرف دون آخر، فالإيهام بوجود ذلك العقد ضرورة مطلقة، "مصلحة وطنية" كما يقال. يحيل ذلك على رغبة أكيدة لدى اليد العليا بتحقيق شعور ما بالرضى عن الذات. أما من ناحية اليد السفلى فإن التشكيك في احترام بنود العقد أو في وجوده أصلا يطرح عليها من المهام المزعجة ما لا قبل لها به وما لا رغبة لها في خوضه إطلاقا. يبدو الجميع مرتاحين إذا وأن لا شيء يدعو إلى القلق.

من الضروري التساؤل عما يدفع أبناءنا الصغار إلى الإفلات من "واجب" تحية العلم كل صباح في المدرسة، رغم جهدنا في إقناعهم بأن الراية الوطنية رمز جدير بالإحترام. من الضروري أيضا التساؤل عن الشعور المتعاظم باللامبالاة عند عزف "النشيد الوطني"، رغم لحنه الشجي. نعيش وطنيتنا منذ زمن أضحى بعيدا، كعبء، كحمل تنوء به كواهلنا المتعبة، كهروب دائم. يفترض أن يعمنا الشعور"بالفرح الدائم" كوننا نعيش في وطن له رموزه وقيمه وتاريخه. ينبغي التوقف عن ابتذال الشعور الوطني وعن استدعائه واستجدائه بمناسبة وبدون مناسبة، وفي الوقت نفسه ينبغي الكف عن إشاعة الخلط المتعمد بين المفاهيم لأن ذلك يهددنا في ما هو أهم من كل الأشياء العابرة، في وطنيتنا التي هي شعور قبل كل شيء. ينبغي النظر إلى الوطن كمعنى جامع يؤلف بين الناس ولا يفرق بينهم، لا يملك أحد حق طرد الآخرين منه مهما اختلفوا معه. وفي المقابل ينبغي التوقف عن الإحساس بأن أحدا ما في مكان ما يملك تقرير وطنيتنا من عدمها وأن وجودنا ومضمون إنسانيتنا مما يخرج تحديده عن نطاقنا.

ولكن هل نملك للوطنية نفس التصور؟ تفترض الوطنية أنها احساس بالإنتماء إلى بلد معين يقوي الشعور بالوحدة حول القيم المشتركة، وأنها حالة ذهنية تدفع شخصا أو مجموعة أشخاص إلى الإحساس بالحب والفخر وبالدفاع عن مصالح وطنه. من منظور معين يبدو هذا التعريف كافيا لحشر الجميع في بوتقته، غير أنه في الوقت نفسه متخم بالألغام. ما هي القيم المشتركة؟ وما هي مصالح الوطن؟ هنا مربط الفرس، ولكن لا أحد ذهب إلى ذلك المربط ووجد الفرس هناك فيما يبدو. لكثير من الناس يبدو الوطن حسابا بنكيا، أو ضيعة أو أسهما في البورصة. لكثير آخرين يبدو الوطن حربا لا تنتهي أبدا ضد قيم يعتنقها عدد من أبناء الوطن. لكثير آخرين يبدو الوطن قطعة حلوى يتلذذ بلعقها في أوقات الفراغ. لبعض الناس أيضا يبدو الوطن راية وقتية "لجهاد مقدس". غير أن الجميع، في الوقت نفسه يشعر بأنه ذلك المكان الذي يريد أن يدفن فيه عندما تحين ساعته وبأنه ذلك المكان الذي لا مهرب منه إلا إليه.

الوطن إله صغير، خلقنا وصاغنا وشكلنا ولم يعد يضيره بعد ذلك أن نؤمن به أو لا نؤمن. هو فعلا كالإله الذي لا تجده في مكان بعينه ولكنه في كل مكان، فلا يضره من بعد من يؤمن ومن يكفر، من يبر ومن يجحد. تجد الوطن في إصرار الفلاح على رعاية أرضه الجدباء رغم انحباس المطر، وفي جهد العامل رغم جحود رب العمل، وفي فصل التدريس رغم بؤس المآل. ليس الوطن ضريبة تدفع، ولا موقفا يبتز، ولا طاعة تستجلب، ولا بقرة تستحلب. وهو فوق ذلك حكما ليس دفاتر تحفظ ولا مناداة، ولا قلم ولا ممحاة.

mercredi 8 octobre 2008

مذهبك لا يدل عليك

الحرب الشيعية السنية الجديدة

مذهبك لا يدل عليك



عدنان المنصر

أستاذ التاريخ المعاصر بجامعة سوسة- تونس



مقال صادر بصحيفة الموقف التونسية بتاريخ 10 أكتوبر 2008

تعيش الساحة الإسلامية هذه الأيام على وقع الصراع الشيعي السني الذي أخذ أبعادا جديدة بعد انتقاله الى العالم الافتراضي من خلال حرب القرصنة الاعلامية بين القراصنة الشيعة والسنة وذلك بصفة خاصة منذ صدور موقف الشيخ القرضاوي من "الغزو الشيعي للمجتمعات السنية" والردود الايرانية المتشنجة عليه.

كان من الأفضل لو بقي الصراع في دائرة العالم الإفتراضي، لكنا اقتصدنا الكثير من المآسي ولكان الوضع الاسلامي أحسن بكثير مما يبدو عليه الأمر اليوم. هل يتسنى لنا راهنا أن نحل المشاكل العقائدية التي تطورت عن الصراع الأصلي بين السنة والشيعة، ذلك الصراع الذي زاد عمقا تحت تأثير أربعة عشر قرنا من التنافس السياسي والتطرف المذهبي؟ لا نظن أن أحدا يعتقد حقيقة في إمكان ذلك. وفي المقابل ماهي حدود حضور الهم الديني والعقدي في الصراع الدائر اليوم؟ على عكس ما يبدو عليه الوضع تماما من تضخم هذا الهم وسيادته على ما سواه، فإنه يبدو بميزان العقل في ضمور متواصل لفائدة اعتبارات سياسية بحتة وجدت أن أقصر طريق للنجاح في صراعها الراهن أن تلبس لبوس المذهبي والعقدي.
من المفيد أن نشير هنا إلى أن موقف الشيخ القرضاوي الذي جر كل هذه العاصفة قد صدر في ظرف يتميز بعنصرين أساسيين:
- تصاعد في الطموحات الإيرانية بمنطقة الخليج استفادة من تغير الوضع بالعراق ومن انتصارات "حزب الله" بلبنان وفي المقابل تخوف رسمي عربي بذات المنطقة من تعرض استقرار الدول العربية المقابلة لايران لهزات عنيفة نتيجة أية مواجهة بالخليج.
- تقارب واضح، كنتيجة لهذه التخوفات، بين السنية الرسمية والسنية المتشددة التي يبدو أنها تركت جانبا كلما يفرقها للتفرغ لمقارعة "المد الشيعي". هذا التقارب وذلك "الخطر" أنتجا، حتما، حرجا في أوساط علماء الدين السنة الذين وجدوا أن لا أحد من الأطراف مستعد لتقبل دعواتهم للتقارب بين المذاهب وأن وقت ذلك الخطاب قد فات، وربما قد ذهب إلى غير رجعة، من هنا فقد أعادوا تقييم مواقفهم بما يستجيب لأفقهم العقدي ولبعض الانتظارات السياسية الرسمية والشعبية. من المفيد هنا التذكير بمقتطف من ذلك التصريح يؤكد أن الموقف كان نتيجة لعملية مراجعة فكرية أخضع لها القرضاوي نفسه، حيث جاء على لسانه القول بأن " المجتمع السني ليست لديه حصانة ثقافية ضد الغزو الشيعي، فنحن العلماء لم نحصن السنة ضد الغزو المذهبي الشيعي لأننا دائماً نعـــمل بالقــول "أبعد عن الفتنة لنوحد المسلمين"وتركنا علماء السنة خاوين".
يبدو القرضاوي قلقا كأشد ما يكون القلق على مستقبل السنة السياسي في عالم "يغزوه" الشيعة، والرجل الذي كان طيلة العقدين الأخيرين يواجه سهام الوهابية المتشددة وضغط الحكومات "السنية"، كان إلى حد اليوم أبعد علماء الدين عن الجدل. لم يعد بالإمكان البقاء على الحياد في "الحرب" الدائرة. ومن جهتها فإن الأوساط الشيعية الرسمية والعلمائية التي كانت تصرح باحترامها للشيخ القرضاوي بدت شديدة التوتر في ردودها على تصريح الشيخ القرضاوي، وإن الناظر إلى بيان وكالة مهر الإيرانية الرسمية (13 سبتمبر 2008) ليهوله ما يمكن أن تصل إليه الشتيمة السياسية. هم أيضا خاب أملهم في القرضاوي وكانوا يظنونه أقرب علماء السنة إليهم، خاصة بعد تصريحات سابقة بمساندة "حزب الله" اللبناني وتأييد العمليات الاستشهادية في فلسطين ودعوة الدول الاسلامية للوقوف مع ايران ضد أي هجوم أمريكي-اسرائيلي عليها ومساندة حقها في امتلاك التكنولوجيا النووية.
وبما أنه لا يمكن في صراع شديد التعقيد كالذي نعيشه اليوم أن نتلافى اختلاط الأبعاد، فقد استفاقت الكثير من النعرات وانفجر التعصب المذهبي واتخذ أحيانا شكل مذابح دموية سبقها تكفير متبادل. من هذا المنطلق تبدو الحرب الإعلامية وحرب قراصنة الأنترنت السنة والشيعة اليوم أهون أشكال هذا الصراع وأكثرها سلمية، غير أنها تبقى مع ذلك شديدة الخطر بحكم تغذيتها للتباعد بين أنصار المذهبين وتبريرها للكثير من التعديات وأعمال الثأر والإنتقام.
يوازي الصراع الإفتراضي اليوم، الذي تجسم في اختراق متبادل وتدمير لمئات المواقع الشيعية والسنية على الشبكة، صراع آخر أكثر دموية على الأرض. عندما ألقى القرضاوي بتصريحه كان يرى دون شك أبعد من السجال المذهبي. الأمر لا يتعلق بتاتا بسب الشيعة لصحابة النبي وعدم إقرارهم بكمال القرآن كما جاء في حديثه، بل بصراع سياسي ذي أبعاد استراتيجية عميقة على التوازنات القائمة في العالم الإسلامي. اما محرر وكالة مهر الرسمية للأنباء الذي "لا ينطق عن الهوى" حتما فقد وجد المرور من الجانب المذهبي إلى الجانب السياسي والعرقي أمرا أكثر يسرا فانساق في التهوين من المساهمة التاريخية للعرب ولمصر بالذات في الصراع ضد الصهيونية نازعا عنهم وعنها أية أسبقية في هذا المجال. كان بإمكانه أن يرى أنه حين كانت القوات العربية المصرية تنازل العدوان الثلاثي وتخوض الحرب تلو الأخرى ضد إسرائيل كانت إيران الشاهنشاهية في الجانب الآخر تماما.
ليس من المفيد هنا أن نذكر بكل أبعاد الصراع الراهن ذي الجذور البعيدة بين الشيعة والسنة -والذي لا يزال وربما بقي متقدا إلى حين بين الطرفين في مواقع عديدة_ من أفغانستان إلى لبنان مرورا بالعراق واليمن ودول الخليج الأخرى، ولا أن نذكر بالإضطهاد القاسي الذي تتعرض له الأقلية المذهبية السنية في إيران والأقلية الشيعية في بعض دول الخليج الأخرى. ليس من المفيد أيضا أن نذكر بالمذابح المتبادلة في العراق وباكستان بين أتباع المذهبين ولا بدور الأجهزة السرية الأمريكية والإسرائيلية وأحيانا العربية والإيرانية في إذكاء نار ذلك الصراع. غير أنه بإمكاننا أن نطرح من الأسئلة ما يوضح الطبيعة الحقيقية للصراع: هل كان الوضع سيتغيرا لو أن إيران كانت وهابية وبقية دول الخليج شيعية إمامية؟ هل كان الوضع، في عمقه التاريخي، سيختلف لو أن معاوية ويزيد كانا من أنصار آل البيت وبقية رموز الشيعة التاريخيين سنة معارضين من قتلة للحسين؟ هل كان الوضع سيختلف لو أن "تيار المستقبل" هو الذي حقق الإنتصار على إسرائيل وأن "حزب الله" كان في الجانب الآخر؟ كنا سنشهد الصراع نفسه، بذات الأدوات، وذات القسوة، وذات الدموية.
يبدو الصراع سياسيا بالدرجة الأولى، في حين أن الحدة المذهبية لا تبدو سوى أحد وجوهه الأكثر تعقيدا. في صراع من هذا النوع تستفيق كل أشكال التعصب العرقي والقومي، تلقى التهم على الطرف المقابل بعد جهد تكفيري حثيث يسبق عادة المرور إلى المرحلة الدموية. يحترق الجميع في أتون حرب عبثية وعداوة مذهبية وهمية ليس في واقع الأمر سوى غطاء لما هو الشيء الحقيقي الوحيد: الصراع الإستراتيجي والقومي. توقفت إيران منذ ردح من الزمن عن لعب دور المحرض على "ثورة المستضعفين" وغدت قوة صاعدة ذات طموحات إمبراطورية. لا أحد يصدق اليوم أن البرنامج النووي الإيراني سلمي بالكامل. وفي المقابل أصبحت مواقف البلدان العربية (وهي مصادفة سنية في الغالب) مهووسة بخطر"التمدد الإيراني" ومستعدة لكل الأدوار في سبيل درئه وحفظ العرش والمذهب. من جهة أخرى تحقق الطريقة الإيرانية النجاح تلو الآخر وتبدو الرؤية الإستراتيجية شديدة الوضوح، في حين يظهر العالم العربي مشتتا ممزقا غير قادر على رؤية سبيله بوضوح. من المتوقع أن دولا اعتقدت العراق عدوها الأول فساهمت في تحطيمه ثم أقرت بأنها أخطأت التقييم، ستجد نفسها مخطئة من جديد باعتبارها إيران الخطر الأساسي على وجودها وبنائها تحالفات على هذا الأساس.
يضيع وقت ثمين في خضم صراع وهمي من المفترض أن يحله مبدأ بسيط هو احترام الرأي المقابل وعدم تغطية المصالح الضيقة بما يخرج التنافس السياسي من فضائه الطبيعي. تستنجد الأطراف المتقابلة بكل ما يمكن أن يزيد في حظوظ انتصارها، وتلعب في الأثناء بكل النيران الممكنة. يستغرق الكثير من شبابنا في هذا الصراع ويحاولون إخضاع الواقع لقراءات منحازة لتاريخنا، يعتنق الكثير منهم نظرية "الفرقة الناجية" فيصبح المرور كأسهل ما يكون نحو تمظهرات أخرى للصراع هم في الحقيقة وقودها. تهون الحياة البشرية في خضم ذلك فيصبح القتل والقتل المصاد خبزنا اليومي. كيف يمكن لمسلم أن يبرر تفجيرا انتحاريا في مسجد أو سوق؟ وأن يقسم المساجد إلى شيعية وسنية؟ وأن يحدد من يستحق الحياة ومن يستحق الموت؟ لا يمكن أن تكون مسلما عندما تعوزك الإنسانية. ولا يمكن أن تكون شيعيا أو سنيا إذا لم تكن مسلما. ولا يمكن أن تكون إنسانا عندما لا تغضب للظلم ولا تتعاطف مع عذابات بقية البشر.
أصبحت السنية والشيعية المذهبيتان بوتقتين لهويتين منفصلتين ومتصارعتين في عالم افتراضي وهمي، أما الواقع فيسبح في اتجاه آخر. لا تقدم الهويتان أية إجابات عن تحديات حياتنا الراهنة ولا يمكن التمييز بينها بتاتا من حيث قدرتها على الاستجابة لانتظارات شعوب يطحنها الجهل والفقر والاستبداد. هل بإمكان أي منا أن يحدد مذهب شخص أو مجموعة ما من خلال موقفها من الأزمة العالمية المالية الراهنة؟ أو أن يتوقع سنية أو شيعية حكومة معينة من خلال موقفها من الصراع ضد الصهيونية والعدوان الأمريكي؟ إن شيئا يبقى مهما اختلطت الأمور شديد الوضوح: لا تتساءل أي من الدول المعنية عن مذهبها عندما تنضم لحلف ما ضد "خطر" ما. لم تسائل إيران شيعيتها عندما عندما صادقت على "إيران غيت أو عندما حطمت العراق وأفغانستان أو عندما شرعت في وضع أسس برنامجها النووي. وفي المقابل لم تسائل دول عديدة أخرى سنيتها عندما ساندت حرب السنوات الثماني الظالمة التي شنها العراق على إيران. في كثير من الأحيان، وبالحماس نفسه، كان شيعة يقاتلون شيعة وسنة يقاتلون سنة، ولم يغير ذلك من الوضع شيئا.
ينبغي على المرء أن يكون شديد الحمق لكي يعتقد أن بالإمكان حل الصراع المذهبي في الأمد المنظور، ولكن ينبغي عليه أيضا أن يكون أكثر حمقا ليحدد كل مواقفه في الواقع السياسي والإستراتيجي الراهن على أساس انتمائه المذهبي. يستمر السنة عوضا عن ذلك في الدفاع عن معاوية، ويستغرق الشيعة في سب صحابة النبي وتأليه علي والحسين، ويفلت الأمر من الجميع. ولكن أن يأخذ الأمر كل هذه الحدة يبدو طبيعيا في وسط لم يتربى على احترام المخالف من الآراء لذلك فإن المسالة تحتاج إلى مجهود تربوي عميق وبعيد المدى. في خضم هذا المجهود التربوي ينبغي التأكيد أن الأمر سياسي بالدرجة الأولى وأنه لا داعي لاستنفار كل التاريخ والجغرافيا من أجل صراعات قد لا تمثل في غالب الأحيان سوى مصالح ضيقة. كما ينبغي، وهذا ليس بالأقل أهمية، الإقتناع بأن ترسيخ أسس الفكر الديمقراطي القائم على قبول أفكار الآخر مهما كانت، وسيادة القانون، والدولة العادلة والمجتمع المتضامن والحكم المتداول هو الحصن الحقيقي الوحيد أمام كل أخطار التفكك التي تنتابنا وتهددنا في عقر وعينا والتي لا تستنكف عن إيقاظ التعصب المذهبي المقيت والقاتل.

mardi 16 septembre 2008

حصاد السبع العجاف





سبتمبر 2001- سبتمبر 2008
حصاد السبع العجاف




عدنان المنصر

مقال صادر بصحيفة الموقف التونسية العدد 465 بتاريخ 19 سبتمبر 2008

وبصحيفة الحياة اللندنية بتاريخ 24 أكتوبر 2008

قبيل الحادي عشر من سبتمبر من سنة 2001، لم يكن أحد يتوقع أن يرى أمريكا تقصف في عقر دارها وأحد أهم رموزها ينهار تحت وطأة عملية لم تعوزها الجرأة ولا حسن التنظيم. من منا لم تهزه تلك المشاهد ولم تنطلق داخله بعض أحاسيس الشماتة لرؤية أمريكا الجريحة ذليلة منكسرة ولو لبعض الوقت؟ منذ ذلك الوقت يبدو أن أشياء كثيرة تغيرت، فتلك العملية، بغض النظر عن توصيفاتها المختلفة، لم تزد واقعنا إلا سوءا وأمريكا إلا صلفا والإستبداد إلا عنفوانا.

سبع سنوات مرت منذ تلك الهجمات التي بإمكاننا القول اليوم بانها، مثل التي جاءت من بعدها، كانت "إرهابية". ليس المقصود هنا إطلاق حكم أخلاقي قيمي عليها بل توصيفها سياسيا بالإستناد إلى المفهوم الأكثر حيادية للإرهاب، وهو العمل الذي يهدف، عن طريق عمل فجئي وعنيف ومعد بسرية، إلى إحداث تغيير في سياسات الدول أو المجموعات. هل بإمكاننا اليوم أن نرى ما إذا حققت تلك الهجمات أهدافها المضمنة في تعريف "الإرهاب" ذاك؟ على الرغم من أن الكثير من المحرجين يحاولون تأجيل الأمر بداعي "الغموض" و"الطابع الوقتي" للتوازنات الراهنة، إلا أن الأمر أكثر بساطة ووضوحا وشؤما مما يحاولون الفرار منه. إذا كان المقصود من "إحداث تغيير في سياسات الدول والمجموعات" يعني، من ضمن ما يعنيه، اشتداد الهجوم علينا من قبل الدول التي استهدفتها تلك الهجمات، فإن النجاح كامل وباهر. إن جردا بسيطا للحساب يعطينا تقييما بديهيا للوصفة السحرية التي ابتدعها منظموا ومساندوا ومنظروا تلك الهجمات: منذ ذلك الحين أعيد احتلال بلاد كان يظن أنها تحررت، واحتلت بلاد كان يعتقد أنها البوابة الشرقية لعالمنا العربي، وتركز تأثير الأجهزة السرية والعلنية الأمريكية في كل بلادنا بلا استثناء. من سوء الحظ أننا، في خضم الواقع الناشئ عن "الحرب ضد الإرهاب" قد أضحينا أكثر ضعفا ودونية مما كان عليه الأمر قبل تلك الهجمات، ولا يبدو أن اتجاه البخار سينقلب في المدى القريب، مهما اجتهد الظواهري لإقناعنا بذلك. قبل عشر سنوات من تلك الأحداث كان الغرب قد أفاق على تبخر العدو الإستراتيجي الذي قامت على مواجهته كل السياسة العسكرية والجهد الديبلوماسي لدول الغرب الرأسمالي مجتمعة منذ الحرب العالمية الثانية. لم نكن نتوقع أن يجد الغرب عدوا استراتيجيا جديدا بمثل تلك السرعة وأن ينجح في تجيير كل السياسة الدولية ضده. وفي المقابل فقد بدت القاعدة كمن يفقد ميدانا ويكسب آخر، في حرب مواقع غير تقليدية لم تشهد البشرية مثيلا لها طيلة وجودها. منحت العولمة للطرفين المتصارعين أدوات تقاتل جديدة زالت معها الحدود وتبخرت السيادات. أصبح عاديا أن نتقبل نبأ قصف طائرات أمريكية لأهداف إرهابية في اليمن أو باكستان، وأن نتقبل في الآن نفسه أن تضرب القاعدة في أماكن لم نحسب أن لها وزنا في خريطة الصراع الجديد. حيث ما قلبت الأمر وجدته محبطا. كم عدد "الإرهابيين" الحقيقيين الذين طالتهم العمليات العسكرية والأمنية الغربية؟ وفي المقابل كم عدد "أعداء الأمة" الحقيقيون الذين طالتهم عمليات القاعدة؟ لا يبدو أن لذلك قيمة تذكر في نظر الطرفين، فالهدف لم يكن مطلقا، فيما يبدو، التفريق بين العدو الحقيقي وضحايا الصدفة. الأمريكيون وجدوا بعض الحل لمشكل التصنيف ذاك، فقد أصبحت بياناتهم منذ مدة تتحدث عن "الإرهابيين المفترضين"، أما الطرف المقابل فيقوم بتوزيع أوسمة الشهادة التي لا يبدو أنها تغير في واقع الضحايا شيئا. من اللافت أن كلا الطرفين وجدا الحل نفسه ، ففي حين يضع الأول الأمر على عاتق حسن النية، فإن الثاني يعول على تفهم الله لأخطاء المنفذين.
كم كنا نود أن يأخذ الصراع شكله العتيق الذي تعودنا عليه، دول تتصارع، دول تساند هذا الطرف أو ذاك، وأخرى تتفرج. لنعترف أن لا تقليدية الصراع الراهن أمر يرهقنا أشد الإرهاق. فعلاوة على طابعه غير المحسوس غالبا، يضعنا هذا الصراع في الموقعين المتقابلين في الآن نفسه: نرفض أساليب "الإرهاب" وتبريراته لأننا ندفع من حياتنا ثمنها القاسي، ولكننا نتحمل بعض وزره لأننا ننتمي، شئنا أم أبينا، إلى نفس الثقافة التي يقال لنا أنها أنتجت من جملة ما أنتجت، "الإرهاب". بالنسبة "للإرهاب" نحن مشبوهون. بالنسبة لمحاربيه، لسنا في محل أقل شبهة إطلاقا. كم تبدو مضنية وضعيتنا فنحن فيما يبدو لا قدرة لنا على اختيار موقعنا، وإذا ما قدر لنا أن نختاره فإننا نجني به عداء الجميع في الوقت نفسه. إننا ببساطة القدر نتلقى الضربات من الجانبين، هل سلط علينا حكم بات بأن نكون إما إرهابيين وإما عملاء للغرب؟ الأمر يتخطى الواقعية ولكنه، في بعده القاسي، واقعي كأبشع ما يكون الواقع.
هل نريد من التصريح بعدم رضانا عن موقعنا أن يحيدنا الجميع وأن نواصل حياتنا كما كانت، دون رجات ولا أزمات؟ المسالة، برغم التوصيف بالإنتهازية الذي قد لا ننجو منه، أعقد من ذلك. مأتى القلق أننا نجد نفسنا في أتون صراع لم نرده ولكنه يصهرنا، لم نرده رغبة في السلامة ولكن لأننا نعتقد أنه عبثي إلى أقصى الحدود، لأن منطقه لا ينبع ببساطة من داخله. هل بإمكان الغرب المصطف اليوم كالبنيان المرصوص في "الحرب على الإرهاب" أن يأمل أن حربه تلك ستنتج عالما أكثر استقرارا؟ هل بإمكان "الإرهاب" في المقابل أن يجعل من أعمال التفجير خريطة طريق لصراعه ضد الغرب؟ الأمر لا ينبع من هذه الطريقة في النظر للأشياء بقدر ما ينبع من اعتبارات نراها ولكننا لا نستطيع لمسها لأنها متحولة، ينتج بعضها بعضا، وفي خضم ذلك التحول يضيع الأصل وينتج "الإرهاب" مضاداته في حين تبلى المضادات بالمناعة المكتسبة المتزايدة "للإرهاب".
سيكون بإمكان الصراع الراهن أن يتبجح بأنه كان من أهم عناصر تحقيق العولمة. لم يعد سرا أنه في الآن نفسه، سعت الولايات المتحدة إلى تكثيف مراقبتها المخابراتية في كل دول العالم دون استثناء، وإلى فرض تغييرات محسوسة في برامج التعليم في الدول الإسلامية، وإلى تكثيف مراقبة الأفراد في تنقلاتهم ومعاملاتهم وحياتهم الأسرية، وتطوير أساليب عسكرية جديدة أكثر تلاؤما مع تحديات المرحلة، والإحاطة بوسائل الإعلام من أجل تغطية دعائية لسياستها، وربط جميع المساعدات والتعاملات المالية مع الدول بمدى انخراطها في منظومة "الحرب على الإرهاب". من بإمكانه اليوم إنكار أنه أصبح، رغما عنه وعن سيادة الدولة التي تحيطه بعنايتها، مواطنا أمريكيا بدرجة ما. تتدخل الأجهزة الأمريكية في تحديد أنظمة السفر ومعايير المعاملات المصرفية وطرق مراقبة المشبوهين (أي نحن جميعا) وتتولى في أحيان كثيرة أمر اعتقالهم خارج التراب الأمريكي وتوكل أمر استنطاقهم وتعذيبهم إلى من فرض كفاءته في هذا الميدان أكثر من غيره. ينبغي أن نعترف بأن ذلك الجهد كان خارقا وخارج دائرة التوقع منذ سبع سنوات وأن أهدافه الأساسية قد تحققت، ونحن نحسب أن أهدافه الأساسية ليست مطلقا منع القاعدة من تنظيم هجمات أو تحقيق عالم أكثر أمنا، بل إنتاج عالم جديد تمسك فيه الولايات المتحدة بمقاليد كل شيء، بكل المعلومات وكل المقدرات، مما يسهل تجيير جميع الطاقات لصالحها وفرض تأثيرها غير القابل للمقاومة على الكيانات الأخرى، حليفة كانت أو متحفظة. نكاد نجزم، لولا اعتراف القاعدة، بأن تلك الأجهزة هي من خطط للأمر برمته، ولكن هذه قضية أخرى. ما نريد تأكيده هنا هو ازدهار صناعة "الإرهاب" إلى حد لم نتصور أنها ستبلغه. تقوم صناعة "الإرهاب" على مكون أساسي توفره صناعة رديفة أخرى هي صناعة الخوف. وبين الخوف من "الإرهاب" و"الإرهاب" بدعوى القضاء على الخوف نقطع الخطوات المتبقية لنا نحو الزمن الأمريكي الكامل.

يضعنا الغرب في موضع المتهم باستمرار، إما لتخلفنا أو لثقافتنا "الراعية للإرهاب" أو لنفسيتنا المهووسة بالعداء له. وفي المقابل نحسن نحن لعب هذا الدور كما لم نحسن غيره. نلتفت داخلنا ونتساءل: من حق القوم أن يلومونا، فثقافتنا "تحرض على الإرهاب". ينتابنا الشك في فهمنا الذي كان إلى حد قريب بديهيا لأنفسنا، لواقعنا ولثقافتنا. ليس المقصود من وضعنا موضع الإتهام أن نلفظ تلك الثقافة فهم يحتاجون باستمرار إلينا حيث نحن، ليفهمونا كما يريدون. تنهال علينا الضربات وعندما نرفع أيدينا لنتقي بعضها تتأكد التهمة ويشرعون في تصفيتنا. في كلتا الحالتين يتهددنا الزوال.
لا يضعنا الآخرون في موقع أكثر سكينة باتهامنا واستهدافنا، لأننا "مسلمون سيؤون"، "منافقون ومنبطحون لهيمنة الغرب". لا يراد منا أن نكون مسلمين جيدين لأنهم سيفقدون بذلك "تميزهم" ومشيخات الرماد التي شيدوها على جثثنا. نلتفت مرة أخرى داخلنا ونتساءل: هل نحن سيؤون إلى هذه الدرجة؟ يتسمعون إلى تساؤل البعض منا فينهالون عليه بفيض تقواهم وجهادهم، قد ينجحون فيبلغنا بعد حين أنه انتقل إلى الضفة الأخرى، و"يحتسبونه عند الله شهيدا".
يتمعش الإستبداد من الوضع فيستلمنا ونحن على خوفنا ذاك، فيمتص ما بقي من الحياة داخلنا، ويلقي بنا بعد ذلك مكرهين في زمرة الرعية الراضية المرضية. لن يكون بالإمكان بعد ذلك أن نطلب لأنفسنا أو لغيرنا شيئا، يكفي أننا نتفس بين الحين والآخر. من بمقدوره اليوم أن يناقش استفادة الإستبداد من "الإرهاب"؟ فقط الإستبداد يشكك في ذلك (ومعه "الإرهاب" أحيانا). تكتمل حلقة الفناء من حولنا وقد اندثرت معالم حلم قديم بأن نكون مواطنين في دولة مواطنة. تلتقط دولة الرعية أنفاسها بعد محنة المساءلة الديمقراطية وتجد نفسها، مجددا، في وضعها المريح. تلعب دورها في الحرب على "الإرهاب" كأفضل ما يؤمل منها، تلتقط في الأثناء المناوئين لها وترمي بحقوق الناس إلى الجحيم. بعد ذلك يصبح بإمكانها القول أن القطيع بخير، "بلدة طيبة ورب غفور".
لا تستهدف "الحرب على الإرهاب" "الإرهاب" وإنما السيطرة على الأفراد بعد أن تكون قد قضت على كل روابط التضامن بينهم. تحاصر المميزات الثقافية في زوايا الصراع المظلمة فيبدأ مسار تذويب الهويات وتقترح العولمة الأمريكية بديلا لذلك كله. يضيق الإسلام في أثناء ذلك بمعتنقيه ويتحول عوضا عن كونه هوية منفتحة على الإنسانية ومتسعة باستمرار إلى بوتقة يحتكرها "المسلمون الجيدون" بعد أن قرروا أنهم من تنطبق عليهم الصفة. تنحسر حركة الحقوق في خلال ذلك تحت وطأة استبداد الدول التي اغتنمت فرصة وجودها ويصبح أقصى أمل الفرد أن يعود إلى بيته في المساء دون أن يكون ضحية قصف أو تفجير أو إيقاف عن طريق الخطأ. في خضم هذه السريالية القاسية يفقد الإنسان بوصلته ويعلم أنه لن يكون بإمكانه أن يعيش إنسانيته كما تعود في الماضي. الآن أصبح يفهم أن "الإرهاب" و"الحرب على الإرهاب" والإستبداد وما خفي من ملمات إنما تستهدفه كإنسان يراد له أن يكون قطعة بلا روح ولا إرادة في متاهة لا يعلم حدودها ولا مخارجها
.

mardi 2 septembre 2008

تأبط نفطا

برلسكوني في بنغازي
تأبط نفطا
عدنان المنصر
مقال صادر بصحيفة الموقف التونسية العدد 463 بتاريخ 5 سبتمبر 2008


تاريخية بحق كانت زيارة برلسكوني لليبيا، ليس لأنها نادرة ومهمة، بل لحضور التاريخ المكثف فيها. جاء الرجل حاملا
معه،"كبادرة حسن نية"، تمثال حورية شحات الذي عثر عليه علماء آثار إيطاليون في ليبيا في 1913 وظل منذ ذلك الزمن معروضا في متحف ماسيمو بروما. كما جاء الرجل معتذرا عن عقود الإستعمار الثلاثة التي عانت خلالها المستعمرة الإيطالية السابقة أبشع أنواع الإستغلال والتقتيل والتخريب. ولأننا عرب ومسلمون ومستعمرون سابقون، فإننا نعفو عند المقدرة. من هذا المنطلق لا يمكن أن نرد الرجل خائبا وقد جاء إلينا معتذرا، حزينا أسفا.

إن تتبعا بسيطا لتفاعل الصحافة العالمية مع الزيارة ودلالاتها ليثير ملاحظة هامة. ففي حين ركزت الصحف العربية على مسألة الإعتذار واعتنت برمزية إعادة التمثال وانساقت في اعتبارات تعطي الأولوية للماضي، فإن الصحافة الغربية أكدت على المغانم الإيطالية من هذه الزيارة إلى الحد الذي بدت معه وكأنها غزوة جديدة تعطي لإيطاليا بالسلم ما عجزت عن أخذه بااضغط والقوة. والأمر في الحقيقة لا يعبر عن توصيف أحادي الجانب للواقع بقدر ما يعبر عن انتظارات كل طرف من اتفاقية الصداقة الايطالية-الليبية الموقعة في بنغازي يوم 30 أوت الجاري. ففي حين عبرت الصحافة العربية عن عمق الجرح الإستعماري وعن حاجتنا إلى ما يخفف عنا وطأة الظلم التاريخي، فإن الصحافة الغربية لم تول أهمية لغير الجانب الإقتصادي فانساقت في تعداد المكاسب الإيطالية من هذه الإتفاقية: عقود الطاقة، الإستثمارات، مكافحة الهجرة السرية، والحرب على الإرهاب.
جاء برلسكوني إلى ليبيا بعد ساركوزي وقد أسالت لعابه دون شك العقود التي فازت بها فرنسا إن في مجال التسلح أو في ميدان الطاقة. لكن الرجل الذي لم تسمح له تقلبات السياسة الداخلية الإيطالية دائما بإنهاء كل المهام التي بدأها ظل يعتبر تحسين العلاقات مع ليبيا إحدى أهم أولويات سياسته حتى عندما لم يكن في سدة رئاسة الحكومة. فهو الذي بدأ مسار إعادة تمثال حورية شحات بإمضائه كوزير للثقافة على القرار منذ 2002 ذلك القرار الذي أثار الكثير من اللغط داخل إيطاليا وبخاصة داخل أوساط علماء اللآثار والمؤرخين. وكما فعل ساركوزي ولكن بصراحة أكبر، اعترف برلسكوني دون مواربة بالجريمة التاريخية ملقيا بالمسؤولية عنها على الأجيال السابقة. وفي كلتا الحالتين كان اليمين الأوروبي الذي يتحمل تاريخيا المسؤولية السياسية والأخلاقية للإستعمار هو المبادر للإعتذار في حين أن اليسار الأوروبي، الأقرب موضوعيا من هذا "الفعل الحضاري" لم يجرؤ على السير في دربه. ليس في نيتنا أن نفاضل بين اليمين واليسار فليس هذا مجال المفاضلة، وإنما أن نبين مقدار براغماتية أوروبا في التعامل مع أكثر المسائل حساسية، وأهمها بلا شك المسألة الاستعمارية. ينظر اليمين الأوروبي إلى الوضع بطريقة جد بسيطة: هناك تنافس اقتصادي يشتد، هناك حاجة متزايدة لتأمين إمدادات الطاقة مع تصاعد نذر مواجهة جديدة قد توقف تدفق نفط الخليج، هناك جحافل من الحفاة العراة يغزون سواحل أوروبا من الجنوب يجب ردعهم، وهناك إرهاب يجب أن يكافح. الأمر بهذه البساطة، فلم المكابرة؟ بعض الأرقام يمكن أن تجعلنا نتفهم هذه الطريقة في النظر إلى الوضع: تمثل ليبيا المنتج الثاني للنفط في إفريقيا بعد نيجيريا (قبل الجزائر) وهي تملك طاقة إنتاج تقارب المليوني برميل يوميا، في حين أن مخزونها النفطي يناهز الخمس وأربعين مليار برميل. أما بالنسبة للغاز الطبيعي فإن المخزون المعلوم لا يقل عن 1300 مليار متر مكعب بغض النظر عما ستسفر عنه أعمال التنقيب الجديدة. من هذا المنطلق يمكن أن نفهم لماذا اعتذرت إيطاليا للشعب الليبي ولم تعتذر للشعب الأثيوبي، فالأمر هناك لا يستحق العناء.
عندما جاء الإستعمار إلى بلادنا، كان يحلو للدول الأوروبية أن تردد أن الأمر استدعته ضرورات تمدين الشعوب الهمجية، وبذلك الداعي أبيدت أجيال كاملة من الجزائريين والليبيين في معسكرات الإعتقال والمنافي والمحتشدات، كانت "الحضارة" تستحق ذلك العناء. وفي أثناء ذلك كانت خيرات أرضنا تنهب وتهرب إلى مصانع أوروبا وأسواقها، ومزارع أجدادنا تصادر وتوهب للمعمرين الفاتحين. من جانب أوروبا كانت هناك أيضا "تضحيات"، فقد أنفقوا الكثير لإخضاعنا والمحافظة علينا مقهورين. وعندما فاقت تكلفة الإخضاع مرابيح الغزو حملوا متاعهم (ومتاعنا) ورحلوا. ولأن أوروبا واقعية وعقلانية فإنها تخضع سياساتها دائما لمصالحها، فعندما استوجب الأمر تمجيد الإستعمار كضرورة للتمدين وكحاجة للحضارة، كان خطابها مسخرا، إن يمينا أو يسارا، لترسيخ ذلك في أذهاننا. أما اليوم، فلم يعد هناك من يقبل بمثل تلك التبريرات. ولأنهم يدركون عقدنا، ما ظهر منها وما بطن، ويعرفون جيدا ما يحتاجون إليه وكيف يبلغونه، فقد دخلوا بيوتنا من أبوابها: أقبلوا معتذرين أسفين وعيونهم على ما غفلوا عنه في الماضي من الخيرات. في كلتا الحالتين لم يكونوا صادقين وفي كلتا الحالتين أيضا كانوا يسخرون من ذكائنا.
إن الإعتذار الحقيقي والحضاري فعلا هو ذلك الذي يكون قد وقر في القلب وصدقه العمل. ليس من الضروري هنا أن نذكر بنظرة الغرب لنا، وهي نظرة لم تتغير منذ قرن ونصف إلا قليلا. بالنسبة إليهم لا نزال همجيين، في حين لا زالوا يعتقدون أنهم الناطقون باسم الحضارة والمدنية. ولأن عالم اليوم لا يولي قيمة لما يخرج عن نطاق المصلحة، فإن من مصلحتنا أن لا نعول على يقظة الضمير هذه تعويلا كثيرا ولا أن نجعل من الإعتذار عن الإستعمار عقدة وجودنا. لا يفيد كثيرا أن نظل متشبثين باعتذار نعلم أنه قد لا يعني في نظر الناطقين به شيئا، في حين من المتاح الإصرار على ترسيخ التفهم لخصوصياتنا الحضارية لدى الأجيال الأوروبية الشابة. كما لا يفيد كثيرا أن ننظر للحاضر بمرآة الماضي دائما، في حين أن الأمر أصبح يستدعي، مثلما فهم ذلك الأوروبيون، النظر إلى الماضي بمرآة الحاضر. لا يبدو تحقيق ذلك متاحا في المدى المنظور، لأن المسألة، كما تتجلى لنا في كل مرة، هي قبل كل شيء "مسألة كرامة
".