lundi 28 avril 2008

صلاة القيّاد الجمعة والأعياد

صلاة القيّاد الجمعة والأعياد

مقال الصديق عبد الواحد المكني، منشور بموقع الأوان، الرابط:

http://www.alawan.org/?page=articles&op=display_articles&article_id=824

في المثل الرائج بأقطار المغارب "صلاة القيّاد الجمعة والأعياد".و''صلاة القياد'' نعت يطلق في بلاد المغرب الكبير على ممارسات ممثلي الدولة المخزنية في الجهات حين يعمَد بعض حكام المقاطعات (العمّال) في سالف الأزمان إلى إشهار الصلاة والورع خلال مدة زمنية محدودة وخاصة بإقامة الصلاة العلنية في المساجد الجامعة طيلة أيام رمضان أو أيام الجمعة وأحيانا في العيدين والواعز طبعا ليس الدين وحده بل الخوف من الرعية عسى ألاّ تشكك في تديّن المسؤول المخزني أو ترتاب إزاء استقامته الروحية فتكون صلاة التراويح خاصة فرصة لإشهار التمسك بالمناسك.

لم تنقطع هذه الممارسة المخزنية اليوم و لكنها تجددت وأخذت ثوبا حديثا وتوسعت في رحاب البلاد العربيةو الإسلامية.
فيتسابق ''القياد الجدد'' لإقناع ''الرعية الجديدة '' التي وسموها ''بالمواطنة''بعفّتهم وصلاحهم وليس ثمة من محك أفضل من أداء الفرائض الدينية.

يقبل العديد -و ليس القياد فقط - في شهر رمضان على إقامة الصلاة وإشهار الصوم وممارسة عدة طقوس مصاحبة على رأسها الغضبوالعبوس والإنفاق التبديدي وإرهاق الموائد والمواقد.

وعادة ما ينتهي المشروع الإشهاري للتدين بعد يوم 27 من رمضان.فيأخذ ذلك ''العزم'' في الخفوت مع اقتراب أيام العيد حين يفوح في الذاكرة عبق روائح أخرى لا علاقة لها بطيب الصلاة وعطر التدين.
"
صلاة القياد'' نعت عبقري ابتدعه التعايش مع نمط ممارسات رجال المخزن لكنه أصبح مستعملا لنعت ظاهرة سلوكية متفشية تشمل كل مقبل على الصلاة بصفة مناسباتية سواء في شهر رمضان أوخلال المناسبات الدينية الكبرى. ومن المفارقات إن أساسيات التدين الشعبي في بلاد المغارب (خاصة تونس والجزائر والمغرب) تقيم وزنا كبيرا لشهر رمضان وتعتبر العامة هذا الشهر" محرارا" للتدين فلا يثير ترك الصلاة عبر أيام السنة أي استغراب أمّا تركها والسهو عنها خلال الشهر الفضيل فهو من الكبائر في التمثّل العامي وكذا الصّوم في تلك الربوع فهو أعلى مراحل إشهار الانتماء للدين الإسلامي.
تختزل ''صلاة القياد" في آخر الأمر وصفا لاذعا وذكيا لعلاقة السلطة بالمجتمع من خلال آلية الممارسة الطقوسية الإشهارية.

وغني عن البيان أن هذه الممارسة ليست حكرا على إسلام الحاكم ولا المحكوم وهي ليست ممارسة خاصة بالتدين الرسمي ЇD9�ا بالتدين الشعبي بل هي من تجليات التدين السائر الذي هو مزيج بين هذا وذاك وهو في غير تناغم مع الإسلام الأصولي طبعا فتجلياته حمّالة لطابع مخصوص تتجمّع فيها تلك المعتقدات والطقوس ماقبل الإسلامية مع غيرها من''بدع''العصر.

ما يستوقنا هنا ليس الحكم الديني أوالأخلاقي على الظاهرة فالمسألة الإيمانية هي حسب المظنون مسألة فلسفية روحانية شخصية ومسألة التدين في بعدها الثيولوجي أوالاجتماعي هي مسألة خاصة بالأفراد من دون شك. و دساتير بلدان المغارب مثل أغلب دساتير العهد المعاصر تضمن حق ممارسة الشعائر ولاتعاقب تاركها.

إن إثارتنا للموضوع لا تندرج في خانة ''التشهير'' بتارك الصلاة ولا الإشهار لممارسها بصفة انضباطية ودائمة. هذا ليس من مشمولات الأداء العقلاني لقد نصّب ''الإكليروس'' الديني الجديدد -والإسلام دين بلا إكليروس في الأصل- نفسه للقيام بهذه الأدوارعبر قنوات الورع النفطي والدّعاة الجدد والوعّاظ المنتصبين في كل ركن من أركان الإعلام الرقمي.

إن المقاربة التي تستحثني هي مقاربة أنثروبولوجية لحالة تدين الحاكمية المتقرّبة للعامّة، فـ"صلاة القياد" كظاهرة مسترسلة إلى الآن هي ظاهرة هيكلية لا ظرفية وهي بلا شك ممارسة قديمة وواسعة الانتشار وترتكز على تدين ممثل الحاكم لنيل رضا المحكوم.إن إدراك الظاهرة والإلمام بخصائصها يعمّق فهمنا بالمجتمع السائد وتجليات حياته اليومية.

إن ظاهرة ''صلاة القياد'' في عرف الدًّول المخزنية العتيقة بشمال إفريقيا ممارسة تؤشر لجملة من التقاطعات ولرُكام من الرواسب وتؤذن بتجلّي الإرث القديم المكبوت.

وبما أنها ممارسة مسترسلة فقد نجحت في إعادة إنتاج ذاتها بل توسعت عبر مشابهاتها، من ذلك ظاهرة المزج بين الصلاة واحتساء الخمر على أمل تغلّب الخير على الشر أو بحجة ''تخفيف الذنوب'' و''محاولة تعديل الميزان وتخفيفه''، ومن صنوها أيضا ظاهرة إيهام الخليلة قبل ممارسة الجنس بعقد زواج شفوي عرفي بينها وبين العشيق فقط لا يحضره ثالث إلا سلطان الغرام.

تتطلب هذه ''الظاهرة'' مزيدا من التعمق الأنثروبولوجي وهي للنظر والتحقيق المتأني بدون انفعال.

تتيح عملية الاقتراب من فهم تجلياتها الإحاطة بعوائق ضعف المد العقلاني في هذه المجتمعات مثلما تؤدي أيضا إلى تكشّف محفّزات ومبررات أداء ''عقلاني براغماتي'' يقيم وزنا للدين من ناحية وللدنيا وملذاتها من ناحية أخرى فيجمع الأضداد بلا إفراط ولا تفريط.

وحتى لا نصفه بأنه شعبيا ولا مخزنيا –لأنه نمط مشترك من'' ابتكار'' المجتمع الشامل- فإن هذا التدين السائر ببلاد المغارب يتداخل فيه العرف القديم مع الشرع الرسمي في رحاب الدولة المخزنية العتيقة المتجددة وقد أضفت عليه مؤثرات الحقبة الاستعمارية خبرة الاحتكاك بالوافدات الاستهلاكية الجديدة –سلعة كانت أو فكرة- فجاء تديّنا حاملا لمعنى الكلّية والأضداد به ماشئت وما لاتريد،فهو معتدل ومتوسط مثل البحر الذي يشاطئ تلك البلدان شرقا و شمالا.

lundi 24 mars 2008

تزاحموا تراحموا


في استعمالات الدين:

تزاحموا تراحموا !!!

عدنان المنصر


دقائق حرجة جدا مر بها زعماء 9 دول افريقية يوم الأربعاء 19 جانفي في مراسم افتتاح "مسجد القذافي الوطني" بالعاصمة الأوغندية كامبالا عندما أدى تدافع بين الحراس الشخصيين للزعيم الليبي والرئيس الأوغندي إلى اندلاع شجار كاد يتحول إلى مجزرة بعد سحب الحراس لمسدساتهم، وهو ما كان سيؤدي، لا قدر الله، إلى فقدان قارتنا العزيزة لأكثر زعمائها ديمقراطية وشفافية وتفانيا في خدمة شعوبهم.

كانت المناسبة التي تداعى بسببها ذلك الحشد الإستثنائي من الزعماء إلى العاصمة الأوغندية بالغة الأهمية. فقد كان الأمر يتعلق بتدشين أكبر مساجد أوغندا الذي شرع في بنائه منذ سبعينات القرن المنصرم الديكتاتور عيدي أمين دادا، ولم يتسن الفراغ منه سوى بمساعدة ليبيا الحثيثة. غير أن مجهودات أكثر من عقود ثلاثة كادت تضيع في دقائق ست وهي مدة "المعركة" التي اندلعت بين الحراس الشخصيين للزعيمين الليبي والأوغندي. وفيما يبدو فإن "المعركة" اندلعت عندما حاول حراس العقيد منع الرئيس موسيفيني من دخول المسجد قبل العقيد أو بالتزامن معه، رغم أنه رئيس البلد المضيف الذي يقع المسجد على أراضيه. ولكن من جهة أخرى، كيف يمكن أن يكافأ العقيد على ما أنفقه من أموال إذا لم يكن الداخل الأول للمسجد، إضافة إلى ذلك فإن الزعيم الذي يقدم نفسه كزعيم للقارة ومؤسس لوحدتها العظيمة وداعية للإسلام لا يمكن أن يقبل بوجود أحد معه في الصورة، وهذا منطقي بالنظر إلى كل تلك الإعتبارات. تلك بعض أسباب "سوء التفاهم" التدشيني، ولكنها ليست كل أبعاده حتما.

العقيد زعيم إفريقي، لا يفتأ يتنقل في ربوعها بمناسبة ودون مناسبة، يلقي خطبة جمعة هناك، يفتتح مسجدا هنا، يتوسط لحل نزاع في مكان ثالث، ويؤنب الفرقاء على خلافاتهم التي تؤخر تحقيق الحلم العظيم بوحدة القارة. نتفهم هذا التوجه الإفريقي للعقيد، لأننا أفارقة أولا، ولأننا لمسنا الخيبات المتتالية التي منيت بها السياسة العربية للزعيم الليبي وقسوة الحظر الإقتصادي الذي سلطه الغرب والكثير من العرب على ليبيا. لم يبق أمام العقيد، فعلا، سوى إفريقيا. هذه القارة مهيأة، كما يقول البعض، لتقبل الزعامة الليبية. فليس هناك من ينافسها عليها أولا، كما أن الجميع فيما يبدو قد نسيها وأهمل مشاكلها، إضافة إلى أن الطفرة النفطية مكنت ليبيا من موارد ضخمة لا بأس أن ينفق بعضها على الإخوة السمر. لا عائق أمام زعامة القارة إذا فهمنا من ذلك حرصا، يبدو واضحا، على حل الخلافات وتهدئة الصراعات التي لا تفتأ مشتعلة بين الدول وداخل الكثير منها، على هذا المستوى يحقق الزعيم الليبي نجاحات كثيرة باستعمال تأثيره المعنوي والمالي على الأفرقاء. بديهي أن الوساطة، حتى عندما لا تنجح، فإنها تضع الوسيط فوق الخلافات وتجعله في منزلة الحكم، وهو ما يحصل مع العقيد. العقيد يستخدم ذلك ولكنه لا يكتفي به، فهو يقدم نفسه أيضا كداعية إسلامي حيث لا يفتأ يحرص على نشر تعاليم الإسلام داخل القارة، بطريقته. هنا جانب آخر من هذه الزعامة لا ينبغي إغفاله. وبما أن الإسلام يتجاوز في حدوده القارة الإفريقية فإن ذلك المسار يضع الزعيم الليبي في موضع يبدو أنه يحبذه كثيرا منذ فترة، موضع المنافس لدور السعودية في هذا الخصوص. قد نفهم جانبا من حرص الزعيم الليبي على اختتام أشغال بناء المسجد من هذا المنطلق، فالسعودية هي التي بدأت المشروع مع عيدي أمين دادا في 1972، لكن الإطاحة بالدكتاتور الأوغندي عطلت المشروع، وها هو ينجز اليوم على يد ليبيا. نفهم ذلك أيضا من خلال النقد الذي ما فتئ العقيد يوجهه للسعودية التي تحتكر، حسب قوله، الحج والكعبة وتوجههما لخدمة سياستها في حين أنهما مشاع للمسلمين.

لماذا يأخذ الإسلام كل هذه الأهمية في الدعاية الرسمية للدول؟ سيجيب الجميع أن المسألة متعلقة بقضية الشرعية، وهو ما نعتقد فيه أيضا. لا يحتاج هذا الجانب من الموضوع إلى بيان كثير. ولكن هذا هو الجزء الممتلئ من الكأس، فأين الجزء الفارغ؟ لعله يتمثل في عدم استناد هذه الأنظمة إلى المنبع الحقيقي للشرعية السياسية في عالم اليوم، وهي الديمقراطية. فالشرعية الدينية، مهما بلغت نسبة مطابقتها لواقع قناعة الدول والأنظمة، لا تكفي. إنها لا تكفي فقط، بل إنه عادة ما يقع الإستناد إليها للإيهام بأنها أهم وأفضل من الشرعيات الأخرى وأنها تبيح جميع السياسات التي قد يفهم منها تضييق على الحريات أو مصادرة لحقوق الشعوب في الحياة الكريمة. من يحتاج الحكام أكثر من غيره، بديهي أن الله لا يحتاج إليهم، وأنه لا يغنيه أو يفقره ما يفعلون. في هذا المستوى النظري، الشعوب هي التي تحتاج حكامها لقيادتها في معاركها ضد الفقر والأمراض والفساد. الله لا يحتاج إلى الحكام، ولكن الحكام يحتاجون إلى الله. لذلك نراهم ركعا سجدا، حاجين ومعتمرين، متزاحمين على "المبرات"، متمسكين ببعض الألقاب التي عفا عليها الزمن والتي لا تفتأ تصيبنا بالغثيان. هل يغني تأسيس مسجد عن تأسيس برلمان؟ وهل تعوض صلاة الجمعة الإنتخابات الديمقراطية؟ وهل تستطيع الإمامة أن تحل محل الزعامة السياسية؟ قد لا يكون أولوا الأمر مقتنعين في قرارة أنفسهم بأن ذلك ممكن، لكنهم يعرفون جدواه جيدا في وسط يسيطر فيه الشكل على المضمون. ماذا تستفيد تلك الشعوب من إيمان زعيم ما إذا كان إيمانه أو عدمه لا يغيران من حياتها البائسة شيئا؟ هذا يجرنا حتما إلى طرح السؤال المفزع: هل الديمقراطية مطلب حقيقي، بمفهوم الحاجة الواقعية، للشعوب؟ بمفهوم ما، يجب أن يكون كذلك، أما الواقع فأحكامه مختلفة.

من نفس مفهوم الواقع، لا يبدو أن الحكام في البلاد الإسلامية يؤسسون لممارسة جديدة. هم ينخرطون في نفس المنظومة الجاهزة التي صاغها السابقون، وإن كان بعضهم يبالغ أكثر من غيره في الإستناد إليها. بذلك ينتقل الصراع السياسي إلى ميدان ليس من المفترض أن يكون ميدانه. اقتناعا أو انتهازية يشكك جانب من المعارضين في حقيقة تقوى الزعماء ويقدمون، في خطابهم، الهم الديني على الهم الديمقراطي. وأكثر من ذلك، يكفر بعضهم بالديمقراطية التي جاءت بهؤلاء الزعماء، وكأنها هي التي جاءت بهم فعلا. وعندما يصلون إلى الموقع المراد الوصول إليه يستأنفون المسيرة ذاتها، يقفون على الأرضية ذاتها، يلتقط الإستبداد أنفاسه ويواصل طريقه بنفس العزم. يسبح الجميع إذا في ملكوت البنى الفوقية، وتبقى الديمقراطية والممارسة الشفافة للحكم والتصدي للمشاكل الواقعية للشعوب في الدرك الأسفل من النار.الديمقراطية تعني المحاسبة، أما حقيقة التقوى وزيفها، فأمر مختلف تماما لا يمكن التثبت منهما إلا خارج حدود الزمان. وطالما أن "بعض الظن إثم"، فالمتقي مؤمن حتى يثبت نفاقه.

كم يجب أن تتكرر المأساة حتى نفهم أن للحداثة السياسية ضوابطها وحقيقتها الخاصة، وأنها، إذا أرادت أن تكون حداثة فعلا، يجب أن تكون أدواتها مما ينفع الناس. إن أبشع الديكتاتوريات تلك التي تستند إلى عقيدة. المشكل ليس في العقيدة مطلقا. يمكن أن تكون المسيحية أو الإسلام أو حتى الوثنيات، يمكن أن تكون دينا أو إيديولوجيا وضعية، هذا ثانوي. نفس العقيدة يمكن أن تسند حكما مستبدا وأن تشرع لأكثر الحركات ثورية. لذلك فإن التعويل عليها في حكم الشعوب لا يبدو ذا طائل. من يستعمل الدين أكثر من غيره يربح أخيرا، ذلك ما يبدو عليه الوضع في البلاد المتخلفة، ليس هذا مجرد وصف لحالة معينة، بل قاعدة يبدو أن الجميع، أو بالأحرى الأكثر تأثيرا، يعولون عليها. من كلا المنظورين، الحاكم والمعارض، يبدو الدين كتلك الدجاجة التي تبيض ذهبا. وفي خضم ذلك كله يقع تناسي ما هو حقيقي. لماذا تثير السياسة الدينية اللغط أكثر مما تثيره السياسة الإقتصادية والإجتماعية؟ سيقول البعض لأن الشعوب لا تعرف مصلحتها، جواب سهل وجاهز لكنه لا يتقدم بنا أية مسافة إلى الأمام. الأمر يحتاج إلى كثير من الجهد والتربية حتى تفهم الشعوب أن الحلول يجب أن تكون من جنس المشاكل التي تسحقها وأن تتفطن إلى الخداع الذي تتعرض إليه كل يوم من أجل صرفها عما ينفعها. هل يعني ذلك إلغاء الديني تماما، هذا أمر لا يمكن بلوغه مهما تنافس في ذلك المتنافسون. المراد هو العودة بالسياسة لمربعها الأول، وكسر عملية الإحتكار التي يقوم بها كل طرف، حسب غاياته، للشرعية الدينية. في هذا المسار لا يبدو أن الحركات الدينية، أو ما اصطلح عليه بحركات الإسلام السياسي، هي العائق الوحيد أو الأكبر. من منطلقها، تبدو تلك الحركات في موقع من يرد الفعل على استغلال الأنظمة المفرط للحقل الديني حتى عندما لا يتطلب الأمر ذلك. ولكن أن تكون في موقع من يرد الفعل لا يعفيك من المسؤولية عن انعكاسات ما تأتيه. من جهتها فإن الأنظمة، عندما تحرم على بعض الأحزاب والحركات ولوج ذلك الحقل والإستقرار في ربوعه الوارفة، فإنها لا تمارس غير النفاق السياسي. هل تستطيع الأنظمة المذكورة، وبعضها كان إلى حد ليس بالبعيد ثوريا تقدميا، أن تتحمل تبعات الخروج من الحقل الديني ومواجهة خصومها ومعارضيها على حقول أخرى؟ ستتعرى تماما وستظهر عوراتها البشعة. بين الاستبداد المتلبس بالشرعية الدينية وبين الدين المتدثر بالسياسة لا يبدو أن الفارق كبير جدا. من هذا المنطلق يبدو أن الجميع منخرطون في المنظومة ذاتها، كل طرف يمول الآخر بعوامل بقائه. لذلك فلا مخرج من المنظومة إلا بكسرها وبالولوج إلى العالم الحقيقي الوحيد الممكن، عالم ما ينفع الناس. ليس في ذلك أي حط من قيمة الدين ولا أي تضخيم من مكانة السياسة، وإنما عودة بالأشياء إلى أصولها. ولكن في خلال ذلك، يجب تربية الشعوب على التخلص من آثام الدعايات التي تجعل من تسييس السياسة خيانة للدين، وهو مسار طويل لا يمكن توقع بلوغ مداه في جيل أو جيلين. ذلك أنه لا يمكن بتاتا الإقتصاد في التاريخ. كم استغرق الأمر لأوروبا من أجل التخلص من هيمنة الكنيسة على السياسة والولوج إلى الحداثة السياسية التي تمثل الديمقراطية أحد أبرز تجلياتها. قطعا ليست الديمقراطية النظام المثالي الوحيد الممكن، ولكنه أقل النماذج التي جربتها البشرية سلبيات. سيقول البعض أن الأمر لا يتعلق هنا بكنيسة، ففي الإسلام ليست هناك كنيسة ولا لاهوت، شكلا هذا صحيح، أما مضمونا، فالأمر يستدعي لسوء الحظ بعض النظر !

lundi 3 mars 2008

كول وأخواتها


كول وأخواتها

مقال صادر بجريدة الموقف التونسية، العدد 442 بتاريخ 7 مارس 2008


عدنان المنصر




نسق سريع للأحداث، مرور سريالي من التهديد إلى التنفيذ، من القتل المحسوب إلى المجزرة الواسعة، اختلاط رهيب للمواقف... هل هذا ما نبدو عليه اليوم؟ التوصيف ليس كاملا ولا يمكن أن يكون كذلك، نكتفي بتجميع أجزاء المتاهة دون أن نتبين بجلاء الطريق الواصل بين الدخول والخروج: بداهة لا شيء يربط بين وثيقة مراقبة الإعلام التي نظر فيها مجلس وزراء الداخلية العرب، الذي يبدو أنه سيحقق يوما ما الوحدة العربية، وبين إرسال المدمرة كول إلى شواطئ الشام. ولا شيء مبدئيا قد يجعل من استماتة البعض في سد منافذ غزة مرتبطا بالمحرقة التي بدأت هناك، كما لا شيء قد يجمع بين تمرد الحوثيين في صعدة وتنكيس عباس راياته في الضفة.

مع ذلك فإن الصورة بدأت تتضح لكل ذي عينين، منذ أن حلت كول بين ظهرانينا، شرق المتوسط. قال أحد الفنانين الساخرين الأمريكيين يوما وهو متكئ على مدفع إحدى البوارج الأمريكية، أنه إذا كانت واشنطن تقول أنها مهمة سلام، فكيف تكون مهمات الحرب؟ عودة سريعة إلى الوراء الذي لم يزل منذ ذلك الزمن أماما: السفن التي تأتي لزيارتنا من حين لآخر، تقصفنا، ترعبنا، نمضي، وينتهي كل شيء، مؤقتا. غير أن بايات ودايات وسلاطين ذلك الزمان لم يكونوا يعلمون أنها آتية، بل كانوا يسعون للتصدي ما أمكنهم ذلك وإن لم تسعفهم قدراتهم على قلب الموازين عموما. الآن، الوضع مختلف: يعلمون بما سيحصل قبل أن يحصل، يأخذون الوقت الكافي لتنبيه رعاياهم، يتمون استعدادات ما قبل الترحيل، يعتقدون أنهم بذلك يضاهون شكلا الدول الكبرى في الحرص على حياة مواطنيها، يعتقدون أنهم فعلا أنداد لها إذ أنها وضعت في علمهم بعض ما ستأتيه. وعندما يحصل العدوان، يصمتون دهرا ثم يبدأون في النطق كفرا، لتحميل الضحية وزر ما جنته عليها ظروف الزمان والمكان، يمارسون نصف رجولتهم بأقصى طاقتهم، يهيؤن أنفسهم لكسر أرجل الجياع إن طرقوا أبوابهم، وتحطيم رؤوس الرعية إن تململت وهاجت. عفوا لقد نكس بعضهم الأعلام، وكأنها أعلام أصلا، وأوقفوا المفاوضات، وكأنهم كانت يوما مفاوضات ، وفتح آخرون منافذ لاستقبال الجرحى الذين لن يحتاجوا لكسر أرجلهم ولا أيديهم.

في غضون ذلك تكون الجوقة قد انطلقت في النشيد، تمجد الواقعية وتدين الرعونة، تطنب في التأكيد على مصالحنا الإستراتيجية، تذكر بأن لا أحد يزايد عليها فيما جمعته من رأسمال ثوري، تسخر من شماريخ غزة وكأنها فعلت بصواريخها المدفونة ما هو أفضل، تحذر من الإرهاب والقاعدة والفوضى التي ستحرق الجميع، تتذكر السيادة والإتفاقات المبرمة ومقتضيات الشهامة... وعندما ينطلق العدوان، تبدأ في حساب المنافع وعينها على شارعها المتنطع، تتوقع هزيمة الضحية ولا شيء غير ذلك، لأن هذه الضحية هي جلادها الذي يقتلها في اليوم ألف مرة، يعري عجزها وثلث رجولتها. أما إذا ما لاحت بارقة انتصار غير مرغوب فيه واندحار للعدوان العاتي، فيعزون أنفسهم، يرتبكون، يشعرون أنهم المنهزمون: لا شك أن شيئا ما وقع أفشل الخطة. ليس متوقعا أن تفشل تلك الخطة، لأنها نجحت معهم في الزمن الماضي، قبل تخفيضات الرجولة.

يأتي دورهم مجددا، ينظرون حولهم فيرون جماهير يسكرها النصر، يغتاظون، سيعاقبونها. لن تسمع شيئا مما يحصل مستقبلا، لن ترى دماء ولا صرخات، لن يهيجها بعد اليوم محترفوا المقاومة، لن تشعر أنها معنية بما يحصل هناك قريبا منها في قلبها وروحها. ينظرون من شرفات قصورهم، أطباق لاقطة وقنوات لقيطة، لينته كل ذلك الآن. وفي أسفل الدنيا يتململ أحدهم، يفرك عينيه، يتثاءب كما يحسن أن يفعل، يمضغ نبتته المفضلة، ليفعل شيئا. لن يشك أحد في الأمر لو صدر عنه، فالجميع يعترف له بالثورية والحرص على الوحدة، والتنطع. ليبدأ إذا استنساخ الجوقات، لتغلق الأفواه الآبقة، العابرة للحدود المعتدية على الكرامات. العين على واحدة أو اثنتين، ليذهب الجميع إلى الجحيم إذا ما سهل ذلك الوصول إليهما. لأجل عينيه تكرم مليون عين، سيجتمعون ويقررون ويوافقون ويبدأون التنفيذ، فما يعتريه يعتريهم، هو الوكيل وهم أصحاب القضية.

أصحاب المعالي والفخامة والسيادة لا يفرحون إذا فرحت الرعية، يحسون صوابا أنهم مستهدفون، يتهيأ لهم أن أحدا ما في مكان ما يحسب لهم حسابا. لا يسرهم النصر مهما كان نسبيا لأنه يفضحهم، يجعل الأعناق تدور نحوهم تشعرهم أنهم أولوا الأمر، وما هم من الأمر في شيء. البعض أخطأ الطريق، هاجمهم، أشعرهم بتهديد قضى على ربع الرجولة المتبقي، منحهم الفرصة التي تبيض ذهبا، فاحترقنا جميعا. شيخ الحكمة هناك غاضب من الذين يقضون منتجعه، ملك الإتزان يكتشف أخيرا أنها المحرقة، ما زال يرى. ظلمة غزة لا تزعجهم، من دخل الضوء أصلا؟ شموعها تدمي عواطفهم، ما زالوا يملكون البعض منها. نفطهم يمطر الأمة حمما، هل نالنا منه غير ذلك أبدا؟

تصمت حمائمنا قليلا وكأن على رؤوسها الطير، فالحمامة الأم أصبحت قائدة المحرقة هناك. يحسون بالحرج أخيرا، فالبوصلة عادت للعمل والإتجاه لم يضع تماما في زحمة الشبهات، يتعرون، يدخلون باطن الأرض، يتقوقعون في برج فكرهم "الإنساني". ولكن دورهم محفوظ أبدا. مثل طيور الشؤم تماما سيفيقون عند ما تحل الكارثة، سيقولون لنا "ألم ننبهكم، ولكنكم قوم لا تعقلون؟" عندما تحل القارعة سيفرخون، سنباهي بهم الأمم كثرة وشأنا، فهم أبناء الهزيمة الشرعيون، سنعتذر منهم حينئذ: عذرا سادتنا، في المرة القادمة سننتصر، وستستأصلون. ذلك الشاب المعمم يزعجهم، لا يرون فيه ما يعرفون، ليس بمثل تقدميتهم، لا يحسن فرنسيتهم، ولا ركاكة منطقهم، وفوق ذلك فالدهماء تحبه وتجعله في سويداء قلبها. ينظرون في دفاترهم، يقلبون أوراقهم، لا يجدون فيها غير القوة منتصرا دائما، القوة في مقابل الحق سيف بتار، هذا إذا كان بالفعل حقا. لا حق في الصراع ولا باطل، لا إرادة ولا إيمان ولا شيء مما لا يملكون. يذبحون بأيديهم صفر الرجولة الأخير، نستمع إليهم ونراهم فنزيد إيمانا بأننا لا نسير في الإتجاه الخاطئ.

ولكن هل نحن بأفضل من هؤلاء وأولئك؟ ربما، إذا ما أحسنا الفهم، واستطعنا مجاراة النسق واحتفظنا بالإتجاه الصحيح. العدو هناك في التلة، وإن كان بعضه هنا وهناك، معششا في أجسادنا وفي جثث البعض منا. يقاوم مضاداتنا ولكنه يبدأ في التهاوي، لأنه يواجه للمرة الأولى إرادتنا في التعافي. يقاوم الجسد، نسقط ثم نقوم، لنسقط من جديد ولكن لا نمحي. تنتابنا الحمى ولكنها دليل الصمود، يجند الطغيان غربانه وبوارجه وحاملات طائراته. يغيضه مخزون الصمود في هذه الأمة، من أين يأتون بهذه القوة؟ من ظلمكم. ستينية الكيان قد تمر، ولكن من سيبقى أخيرا هم نحن. قد يرونه بعيدا، ولكننا نراه قريبا.

1


lundi 5 novembre 2007

وشروه بثمن بخس...


أطفال للبيع


وشروه بثمن بخس...

(عدنان المنصر)

مقال صادر بالعدد 426 من جريدة الموقف التونسية بتاريخ 9 نوفمبر 2007 وبجريدة الحياة اللندنية بتاريخ 26 جانفي 2008

أثارت قضية محاولة ترحيل أكثر من مائة طفل تشادي إلى فرنسا بدعوى أنهم من أيتام الصراع في دارفور موجة كبيرة من الاستياء في أوساط المنظمات الإنسانية الدولية وكذلك لدى كل من لم يتوقع أن تعمد منظمة تنشط في المجال الإنساني إلى محاكاة أساليب عمل منظمات الجريمة المختصة في اختطاف البشر والمتاجرة بهم.


لقد فتحت هذه القضية أبواب الجدل حول أساليب عمل المنظمات الإنسانية في إفريقيا على مصراعيها مجددا وبدا أن العمل الإنساني سيكون أكبر المتضررين. قد لا يكون الدفاع عن العمل الإنساني في هذه الظروف وفي المطلق أمرا حكيما، فالعمل الإنساني يخضع أيضا لقوانين الطبيعة والسياسة. وقد لا يكون الناشطون في هذا المجال ملائكة نسيتهم الآلهة على الأرض، غير أن ذلك ليس داعيا لإلقاء جميع الأطفال مع ماء الغسيل. ففي تشاد تنشط حوالي 80 منظمة إنسانية يقوم عدد كبير منها بجهد كبير من أجل مساعدة الشعب التشادي، والأمر ليس مقتصرا حتما على تشاد. هذا هو نوع الجدل الذي أراد إدريس ديبي أن يؤسس إليه عندما قام بإنجازه العظيم كاشفا تلك الجريمة البشعة في حق الطفولة التشادية المعذبة. كانت المسرحية ناجحة في نظر من لا يعرفون الوضع في تشاد: رئيس في فورة غضبه يهدد الجميع بأقسى التتبعات "مهما كانت جنسياتهم"، يربت على ظهور الضحايا ويغمرهم بحنان لم يخطر ببالنا أنه يملك منه شيئا. رئيس هصور يرتعد الجميع خوفا من احترامه للمؤسسات "التي يجب أن تقوم بدورها"، يضبط بالجرم المشهود بعض البيض الذين كادوا أن يحرموا وطنه من رجال الغد. المشهد مربك فعلا. فمعه تعود إلى الذاكرة أكثر الصور إيلاما: تجار الرقيق يشحنون بضاعة بشرية إلى بلاد بعيدة ليستغلوهم بعد أن ضمنوا ثمنا مجزيا. ولكن هيهات. فالعبيد تحرروا، وأصبح لهم الآن أب وزعيم يرفع لواءهم، ويضعهم تحت جناحه ويقف متحديا الجميع، بمن فيهم السادة البيض الذين اعتقدوا أن بإمكانهم إذلال شعبه الأبي.

المسرحية ناجحة فعلا، وريعها سيعود دون أدنى شك لمنتجها. وأول الغيث سيكون حتما تقييد نشاط الجمعيات العاملة في المجال الإنساني. قد يكون ذلك نتيجة طبيعية لفضيحة الترحيل، ولكن لنمعن النظر قليلا. فتشاد التي تحرقها الحرب الأهلية والديكتاتورية منذ استقلالها تمثل عقدة أساسية من عقد الصراع في وسط إفريقيا، ذلك الصراع المتصل في آن واحد بالحرب في دارفور وبالحرب على الإرهاب. ونتيجة لذلك فقد انخرطت حكومة إدريس ديبي في مسار يهدف إلى تأجيج الصراع في دارفور بمساندة وتسليح العشائر المنتفضة ضد الخرطوم، فساعدت على تجنيد اللاجئين في المخيمات المقامة على أراضيها في الحركات المسلحة الدارفورية. وليس للمسألة علاقة بحق الشعوب في تقرير المصير، فإدريس ديبي انخرط بذلك في صراع عرقي يتجاوز السودان، حيث أنه يواجه هو الآخر مجموعات مقاتلة تدعمها الخرطوم وتتخذ من شرقي البلاد معقلا لها. وتختلط في هذا الصراع عوامل عديدة، عرقية وقبلية ودينية وإستراتيجية ونفطية. وقد أدت الأوضاع في دارفور وطريقة ديبي في التعامل معها في استيطان عشرات المنظمات الإنسانية الدولية للمنطقة حيث لم تعد تراقب ما يفعله الجنجويد فقط بل أضحت شاهدا مزعجا عما ترتكبه القوات النظامية التشادية من عمليات ضد سكان المنطقة الشرقية من البلاد، حيث تقوم مثل القوات المتمردة عليها تماما، بتجنيد الأطفال وإرسالهم إلى الجبهات للموت. لذلك فإن ديبي الذي وافق مكرها على قدوم قوات أوروبية في ديسمبر 2007 إلى شرق تشاد سيكون في موقع شديد الحرج عندما تصبح الانتهاكات التي تقوم بها قواته ضد المدنيين في شرق البلاد تحت طائلة المحاسبة المباشرة. هل استبق ديبي ذلك بمسرحيته؟ الفكرة واعدة بالنسبة إليه، فهي تمكنه في الوقت نفسه من الظهور بمظهر المدافع عن الطفولة البريئة التي يتهم بإرسالها وقودا لحرب طاحنة، ومظهر المدافع أيضا عن شرق البلاد الذي يمقته ويمقت حكمه، كما أنه يقيد عمل المنظمات الإنسانية التي كانت باستمرار تفضح أساليبه ضد معارضيه، وتضع القوات الأوروبية في موقع شديد الحرج حتى قبل حلولها بالبلاد. أما فرنسا، فستدفع فيما يبدو الثمن الأكبر. سينقلب اتجاه البخار فيما يبدو، ويصبح المضغوط عليه ضاغطا. لن يكون بإمكان برنارد كوشنير بعد اليوم إعطاء دروس لأحد حول حقوق الإنسان، وستسقط ادعاءاته بحق التدخل الإنساني في مواطن النزاع ولو كرهت الحكومات. لن يكون بإمكان الفرنسيين، مثلما فعل شيراك أخيرا، التهديد بسحب القوات الفرنسية التي تحمي نظام ديبي بمناسبة أو بغير مناسبة. وسيطير إليه المكوك ساركوزي مثلما طار سابقا إلى طرابلس في قضية أطفال الإيدز الليبيين، فحل في عشر دقائق مشكلة استعصى حلها سنين عددا.

لنعد إلى أطفال تشاد. لم يكونوا أيتاما فيما يبدو، بل أبناء عائلات فجعت بفقدهم وبحثت عنهم دون شك وربما توقفت في لحظة ما عن البحث خوفا من أن يكون اختفاء أبنائها "ضرورة وطنية". هل بحثت عنهم حكومة ديبي؟ ماذا فعلت من أجل أقرانهم منذ تسلم الجنرال ديبي الحكم بعد انقلاب ديسمبر 1990؟ ماذا فعلت من أجل آبائهم وأمهاتهم الذين تطحنهم الأمراض والمجاعات والحروب؟ إدريس ديبي في الحكم منذ حوالي العقدين، ولا يبدو أنه يعتزم الرحيل قريبا. فقد نسج علاقات مصلحة قوية مع الشركات الأمريكية المستثمرة في بترول تشاد وانخرط إلى جانب البنتاغون في الحرب على الإرهاب مغازلا في الوقت نفسه طرابلس والجزائر. ما هو دور هذه المعطيات في تمسك القوى الكبرى بحكم إدريس ديبي وغضها الطرف عن انتهاكاته لحقوق مواطنيه وقمعه الصحفيين وتزييفه للانتخابات (1996 و2001) واستغلال الحرب الأهلية لتصفية معارضي حكمه؟ إنه يشعر دون شك أنه يقوم بدور مهم وأنه لا يمكن التخلي عنه.
لننظر الآن للأمر من زاوية أخرى. لو قدر لهؤلاء الأطفال أن يعيشوا بالرغم عن سوء التغذية والأوبئة والحروب وبلغوا سن الشباب، هل سيشكرون ديبي أم سيلومونه؟ أغلب الظن أنهم لن يكونوا سعداء هم وعائلاتهم. فقد حرمهم من حيث لا يدري من فرصة الانتقال إلى "الفردوس الأوروبي" بعد أن كادوا يصلون إليه لبداية حياة جديدة. سيتوجب عليهم أو على بعضهم آنذاك أن يدفعوا لوسطاء الهجرة السرية من أجل قطع نفس المسافة، وربما انتشلت جثث بعضهم في الأطلسي أو في المتوسط. سيكرهون إدريس ديبي أكثر وأكثر وسيرون أنهم كانوا عملة مقايضة سياسية تتجاوز أحلامهم الصغيرة وأنه باعهم بثمن بخس من أجل مصلحة نظامه. لينتظر أهلهم الآن وقد وقع ما وقع أن تعمل المؤسسات. سيهتم القضاء بالأمر كما كان يفعل دائما. لقد أقسم ديبي أنه لن يتدخل في عملهم. ومن يعرف ديبي يعلم أنه "الصادق الأمين" الحريص على مؤسسات دولة المؤسسات. ألم يخطب في التشاديين عند دخول قواته إلى نجامينا في ديسمبر 1990 أنه "لم يأتهم لا بالذهب ولا بالفضة وإنما بالحرية"؟
في الوقت نفسه بدأ الوسطاء، الذين فقدوا آخر ذرة حياء، يعرضون خدماتهم مستندين إلى "نجاحاتهم" السابقة، عندما شغلوا شعوبهم بقضية مشابهة للوصول إلى أهداف مشابهة. أما الأوروبيون، فلا يمكن أن نتوقع منهم أن يحترموا ذلك القضاء، وسيدخلون اللعبة ويمزجون الضغط بالترغيب مثلما يحسنون فعل ذلك دائما. أما الأطفال، يتامى دولهم وحكوماتهم، فسيعانون ويموتون طيلة حياتهم، صغارا وشبانا وكهولا، جوعا أو غرقا أو حربا أو بالإيدز،وما بدلوا تبديلا..

jeudi 13 septembre 2007

ما فقدناه بتصفية اليوسفية

ما فقدناه بتصفية اليوسفية

عدنان المنصر

تقديم كتاب:

"اليوسفيون وتحرر المغرب العربي"، تأليف عميرة علية الصغير، المغاربية للطباعة والإشهار، تونس 2007، 300 صفحة.

صدر صحيفة الموقف التونسية العدد 418 بتاريخ 14 سبتمبر 2007.

صدر للباحث عميرة علية الصغير كتاب جديد خصصه لتتبع تاريخ الحركة اليوسفية بتونس ومساهماتها في مسيرة تحرر المغرب العربي. ولمن لا يعرف الكاتب فهو مؤرخ جامعي وأستاذ محاضر بالمعهد الأعلى لتاريخ الحركة الوطنية بتونس وقد صدرت له دراسات عديدة حول مسائل متعددة من التاريخ المعاصر لتونس وبصفة خاصة حول موضوع المقاومة المسلحة والحركة اليوسفية.

بعض فصول هذا الكتاب منشورة كما أشار إلى ذلك المؤلف في مجلات تاريخية وندوات علمية نظمت خارج تونس، ولعل نشرها اليوم يتيح لجمهور أوسع من المتتبعين مطالعة أبحاث شديدة الالتصاق بإشكالات تهمنا كتونسيين بشكل مباشر. خصص المؤلف الفصل الأول من كتابه لدراسة الظاهرة اليوسفية، وهو فصل لم ينشر سابقا. وقد جعل المؤرخ من هذا الفصل الذي استحوذ على ثلث الكتاب تقريبا، مدخلا لبقية فصول الكتاب التي جاءت متراوحة بين دراسة بعض المسارات الفردية لمناضلين في التيار اليوسفي وبين دراسات أخرى يمكن القول أن الرابط بينها هو الرغبة في دراسة ما أسماه عميرة علية الصغير بالتواصل النضالي بين شعوب المغرب العربي. في الفصل الأول، يبدو لنا حرص المؤرخ على إتباع منهجية صارمة مكنته في نظرنا من تقديم دراسة هي من أفضل فصول الكتاب. لم يسقط المؤرخ في التعاطف مع اليوسفية بل تناول هذه المسألة بحرفية عالية. فالقارئ وإن لاحظ أحيانا "تقريعا" للشق البورقيبي فإن ذلك لم ينتقل إلى تبرئة للجانب اليوسفي في الصراع الذي قسم البلاد نصفين وألقى بخيرة أبنائها في أتون الحرب الأهلية. يبدو المؤرخ مهتما بمسألة أخرى مختلفة تماما، حيث نراه يحاول إثبات أن اليوسفية كانت حركة معارضة وطنية، وأن عوامل عديدة دفعت الأمور في الاتجاه الدموي المعروف الذي أخذته بعد ذلك. هل حقق بورقيبة استفادة ما من هذه المعارضة في مفاوضاته مع الفرنسيين؟ لا يشك المؤلف في ذلك بتاتا بل يرى أن كثيرا من الفضل في حصول البلاد على استقلالها التام في ظرف وجيز كان بفضل التهديد الذي شكلته اليوسفية على المسار السابق حيث بدا بورقيبة في حاجة شديدة لمكاسب سياسية ملموسة تنقذ شعبيته في نظر مواطنيه، وهو ما اضطرت فرنسا إلى القبول به في نهاية الأمر. ماقيمة التأكيد على أن اليوسفية كانت حركة معارضة وطنية؟ الأمر في منتهى الأهمية من زاوية نظر تاريخية لأن ذلك يعني القطع مع ما حاولت الإيديولوجيا الرسمية باستمرار أن تنشره عن اليوسفية بوصفها "فتنة"، و"عصابات مجرمين"…إلخ. كما أن الأمر هام أيضا من منطلق وطني جامع يرى أن ما تحقق من مكاسب في نهاية العهد الاستعماري كان إنجازا مشتركا بين جميع أبناء الوطن، لا أحد يملك حق الاستئثار به لنفسه وإقصاء الآخرين منه.

ماذا فقدت المسيرة الوطنية وتجربة الدولة من القمع الذي طال هذا الفصيل الوطني حتى قضى عليه؟ الكثير. فقد قضي بذلك على أكبر فصيل معارض للحكومة وللخيارات البورقيبية و لم يبق على الساحة أية زعامات أو أحزاب يمكن أن تفرض صيغة ديمقراطية ما قائمة على وجود حزبين كبيرين يتنافسان على الحكم. ولكن هل يجوز لنا أن نتساءل عن الإمكانية الحقيقية لنشأة حياة ديمقراطية بوجود زعامتين كبورقيبة وبن يوسف؟ هل كان بن يوسف أكثر ديمقراطية من بورقية؟ هل كان يقدم ضمانات أفضل من تلك التي قدمها بورقيبة للتونسيين من أجل بناء الدولة العادلة والديمقراطية المنشودة؟ لا أحد بإمكانه الجزم بهذا الخصوص ولكن هناك شيئا أكيدا: لقد فقد التونسيون القدرة على الاختيار منذ ذلك الوقت وأصبحوا تحت التصرف المطلق لطريقة واحدة في الحكم تصورها وصاغها ونفذها بورقيبة، في تجاهل كامل للمؤسسات ودون أي اعتبار لما يسمى بالإرادة الشعبية.

أما الإشكالية الثانية الأساسية في الكتاب فتتناول مسألة الكفاح المغاربي من أجل التحرر ودور اليوسفيين فيه. لا أحد يمكن أن ينكر أن اليوسفيين كانوا أكثر إيمانا والتزاما برؤية تجعل من كفاح التونسيين من أجل التحرر جزءا من كفاح أكبر في إطار المغرب العربي، وأن وحدة ذلك الكفاح إحدى ضمانات نجاحه الأكيدة. قدم اليوسفيون شهداء كثيرين على هذا الدرب، وامتزجت دماء الكثيرين منهم بدماء إخوانهم الجزائريين، في إطار هياكل مستحدثة كجيش تحرير المغرب العربي الذي أنشئ في القاهرة بحرص مباشر من جمال عد الناصر وأوكل أمر الإشراف عليه إلى القائد الميداني الشهير الطاهر لسود. والمؤلف لا يقف عند هذا الحد في استقرائه لطبيعة العمل المغاربي المشترك من أجل التحرر، بل يعود إلى دراسة الذهنية التونسية على سبيل المثال من خلال بحثين حول تفاعل التونسيين مع أحداث المغرب الأقصى وبحث آخر حول جيش التحرير الوطني الجزائري بتونس، ليخلص إلى تأكيد فكرة بدت له شديدة الوضوح، وهي أن الحس المغاربي حس أصيل لدى أجيال الوطنيين التونسيين وأنه بالرغم من ذهاب البعض أحيانا إلى اتهام اليوسفية بأنها استوردت الهم المغاربي من مصر الناصرية، فإن اليوسفيين لم يستحدثوا هذا الحس وإنما تفاعلوا معه باعتباره نتاجا طبيعيا لمسيرة تاريخية طويلة. لم يغبط المؤرخ البورقيبية حقها بهذا الخصوص عندما أكد على ما قامت به مؤسسات الدولة الوليدة من مساندة حثيثة للمقاومين الجزائريين المستقرين بتونس، (وإن كان ذلك من باب مكره أخاك لا بطل)، غير أنه أكد على طبيعة الظرف وخصوصية الحسابات التي حتمت على حكومة الاستقلال القيام بذلك.

هل أدت هزيمة اليوسفيين إلى نهاية التيار المؤمن بالوحدة المغاربية في تونس؟ قد يكون ذلك أول ما يتبادر إلى الذهن غير أن ما يمكن التأكد منه أكثر هو أن البلاد فقدت إمكانية أخرى للتعامل مع هذه المسألة غير تلك التي أرسى أسسها الزعيم بورقية وطبقها بعد أن استحوذ على سلطة القرار السياسي بالبلاد. من هنا فإن انتصار بورقيبة في خاتمة الصراع كان فاتحة لتنفيذ سياسة قطرية بحتة جعلت من البناء المغاربي أمرا ثانويا وإن لم تخل الأدبيات الرسمية من تأكيد العكس. انتصرت القطرية إذا على الاتجاه الوحدوي الذي عبر عنه التيار اليوسفي، وقد لقي بورقيبة مساندة متحمسة من الفرنسيين من أجل إلحاق الهزيمة بخصمه، وهو ما تم في النهاية. من هنا نشأت فكرة أخرى كان وراءها اليوسفيون، وهي أن بورقيبة كان "عميلا للإمبريالية المتضايقة من المد القومي". يمكن تفهم ذلك في الإطار المخصوص للصراع، ولكن أن يتواصل الإيمان بذلك في بعض الأوساط إلى حد اليوم، فأمر يدعو للرثاء حقا. قد يرد آخرون: ولكن قطرية بورقيبة حمت البلاد من الوقوع فريسة الفشل المدوي لذلك المد القومي، وسمحت بالشروع في بناء دولة حديثة على أسس أكثر عقلانية مما وقع في بلدان أخرى "أقل تبعية للإمبريالية"، وأسست لنظام سياسي مستقر إلى حد ما.

تلك بعض من الأفكار التي توحي بها مطالعة كتاب الأستاذ عميرة علية الصغير الذي جاء تتويجا لجهد توثيقي كبير ومحاولة لتقديم قراءة لظاهرة سياسية لا تزال تحتفظ إلى اليوم بكثير من الإثارة. لم يسقط المؤلف في هذه الإثارة بالتأكيد بل حاول القيام بعمل المؤرخ القائم على احترام المسافة بينه وبين الموضوع، ونحسب أن نجح إلى حد كبير في تقديم مرجع أساسي لمن رام دراسة هذه الظاهرة.

dimanche 9 septembre 2007

ردود فعل على مقال "قرف العولمة"

Merci à Bassem et à crazyfrog d'avoir réagi à un article qui traduit plus une exaspération et une révolte qu'une réflexion sur la question. j'admets que je suis allé un peu loin dans cette expression d'éxaspération, et que j'ai failli jeter l'enfant avec l'eau du bain... vos réactions me donnent envie de revenir sur cette problématique, pour rectifier le tir... une chose est pourtant sûre, la réflexion sur ce genre de questions n'est jamais définitive...

La réaction de Bassem Khlaf

http://bassemkhlaf.space-blogs.com/

Si je savais quelque chose qui me fut utile et qui fut préjudice à ma famille, je la rejetterais de mon esprit. Si je savais quelque chose utile à ma famille et qui ne le fut pas à ma patrie, je chercherais à l’oublier. Si je savais quelque chose utile à ma patrie et que fut préjudiciable à l’Europe ou bien qui fut utile à l’Europe et préjudiciable au genre humain, je la regarderais comme un crime. MONTESQUIEU Cher Adnan, Je viens de lire ton exaspération et ta révolte contre la mondialisation. Et contre une certaine élite, qui se dit « très moderniste » qui a vendu son âme à un occident, qui n’est pas disposé à faire aucun effort, pour aider les opprimés contre des pouvoirs tyranniques.Le ton était fort et dur, ce n’est pas ton style. Et peut être c’est ce qui explique un certain simplisme dans ton exposé.Est il judicieux d’hiérarchiser, voir d’opposer les droits ?Qui décide que la cause des homosexuels est ou non une priorité ?Posons la question à un homo. Et voyons ce qu’il pense. A moins qu’on considère qu’i s’agit d’une infime minorité, et que les droits se traitent en fonction du nombre des opprimés. C’est généralement l’attitude de l’homme politique. Et le rôle de l’intellectuel est justement de lui rappeler, qu’il s’agit là d’un aveu d’échec.Je comprends ton exaspération vis-à-vis d’une pseudo élite, qui justifie tout acte, toute position et toute proposition du moment qu’elle provient de l’occident. Seulement, ce n’est pas pour autant qu’il faut jeter le bébé avec l’eau du bain.Les droits ne sont guerres opposables. Là une leçon que l’occident qu’on aime, qu’on prenne pour exemple, l’occident des lumières nous a donné.Je comprends aussi, cher Adnan, ta révolte contre une mondialisation sauvage, capitalistique, ou l’intérêt des maîtres du monde prime sur tout le reste. Par leurs égoïsmes et leurs ignorances, on assiste à la destruction pure et simple de ce monde. De la terre.Faire ce constat est une chose. Appeler à un retour en arrière en est une autre.Qu’on le veuille ou pas, La mondialisation s’est installée et pour un bon moment. C’est le sens de l’histoire. Refuser cette réalité, revient à se condamner à rester à la marge de l’histoire. Et être sujet de cette mondialisation et jamais acteur. Montesquieu, disait dans son chef d’œuvre DE L’ESPRIT DES LOIS : « considérés comme habitants d’une si grande planète, qu’il est nécessaire qu’il y ait différents peuples, ils ont des lois dans le rapport que ces peuples ont entre eux ;et c’est le DROIT DES GENS. Considérés comme vivants dans une société qui doit être maintenu, ils ont des lois dans le rapport qu’ont ceux qui gouvernent avec ceux qui sont gouvernés ; et c’est le DROIT POLITIQUE. Ils en ont encore dans le rapport que tous les citoyens ont entre eux ; et c’est le DROIT CIVIL. »
Depuis, l’homme a fait du chemin, comme il ne l’a jamais fait dans son histoire. Et cette « si grande planète » comme disait Montesquieu est devenu un petit village.Il est évident qu’on s’achemine vers un ordre mondial ou le DROIT DES GENS n’aura plus raison d’être. C’est dans cette optique qu’il faut raisonné. Montesquieu d’aujourd’hui, aurait dit : Si je savais quelque chose qui me fut utile et qui fut préjudice à ma famille, je la rejetterais de mon esprit. Si je savais quelque chose utile à ma famille et qui ne le fut pas au
MONDE je la regarderais comme un crime.



La réaction de crazyfrog


http://exipestien.blogspot.com/2007/09/propos-de-la-mondialisation.html

A propos de la mondialisation

Après la lecture de l'article de Mr Adnen Mansar à propos de la mondialisation, je me permet d'exprimer mon avis et ma perception vis à vis de cette mondialisation. Elle n'est pas à mes yeux une incarnation diabolique comme tend à exprimer Mr Mansar, mais une manifestation d'une certaine accélération de l'histoire humaine, basée sur l'information.


La mondialisation ne représente qu'une étape -celle en cours- de la globalisation: un énorme processus évolutif qui a commencé à l'aube de l'humanité et qui n'a cessé d'agir de manière transparente et inaperçue jusqu'à ce qu'il est devenu assez marquant, définissant ce que nous appelons "mondialisation". Ce processus est traduit par une tentation continue à franchir les barrières "naturelles" et ethnique, à connaitre les autres, à les dominer.. Je prend ici, à titre d'exemple loin d'être restrictif, les conquêtes d'Alexandre le Grand: ne s'inscrivent elles pas dans cette vision globalisante et dans cet énorme processus d'évolution des sociétés?


L'Homme n'a pas cessé ses mouvements à travers le monde. Différentes civilisations et différentes cultures se sont rencontrées. A chaque fois, c'était la conquête et la guerre les principaux moteurs de ces échanges. A chaque fois, il y avait des interaction culturelles qui ont marqué plus ou moins sérieusement les groupes concernées et participé à l'évolution des traditions et des moeurs. L'identité d'une société n'est alors que le résultats de siècles d'évolution et une combinaison d'apports d'origines assez complexes, et elle ne cessera d'évoluer. La notion d'identité, à caractère nationaliste, n'a eu droit à ses moments de gloire que grâce à une instrumentation politique visant à réunir les foules autour de l'idée d'une destinée commune, alors que les réalités historiques sont plus que réfutant cette justification.


Ce qui marque la mondialisation en tant qu'étape historique de la globalisation, c'est l'avènement des "nouvelles" technologies de l'information. Commençant par le téléphone et le télégraphe et finissant par Internet et ses différents paradigmes, ces moyens ont réduit de façon plus que significative le temps que prend une information pour arriver, notamment aux décideurs, chefs de guerre, dirigeants d'entreprises..
L'information est au coeur de cette mondialisation qui en tire son énergie inépuisable. Elle a toujours été le moteur de l'histoire humaine même. C'est la vitesse de passage de cette information qui détermine notre perception du temps, donc de l'histoire. Si on a l'impression aujourd'hui que le temps s'écoule plus rapidement qu'auparavant, c'est parce que notre conscience traite un nombre énorme d'informations par rapport à ce qu'il en était usage. Si on admet que les actions humaines sont des réactions par rapport aux informations qu'on reçoit, on pourrait imaginer l'accélération de l'histoire que cela pourrait engendrer. Pour illustrer, imaginons un échange entre deux leaders, loins l'un de l'autre de quelques milliers de kilomètres. L'un voulant imposer des conditions à l'autre afin d'avoir un pretexte de déclarer une guerre dès que l'autre commet une faute à son égard. Plaçons la situation dans deux époques: la notre et 5 siècles auparavant .. Le temps que prendrait l'échange de lettres -avant une déclaration de guerre - dans l'époque lointaine pourrait s'étendre sur des mois.. Alors qu'à notre époque, il suffit d'échanger quelques pauvres "sms" en quelques minuscules minutes pour pouvoir le faire.. Bien sûr, ce n'est qu'une illustration simpliste et ironisante. Regardez l'exemple de la "petite" crise boursière le mois d'août, si les informations concernant la chute des prix de l'immobilier aux Etats Unis ne s'étaient pas propagées avec une telle vitesse et une telle ampleur, serait on passé par cette crise? certes non! Nous sommes ici face à une compression du temps, ou plutôt une intensification des actions humaines dans le temps.

La mondialisation n'a fait qu'accélerer l'histoire, ce qui se passait durant des siècles se passe aujourd'hui dans quelques heures. Dans un monde ou tout se virtualise de plus en plus..

vendredi 7 septembre 2007

قرف العولمة


قرف العولمة


عدنان المنصر

مقال صادر بصحيفة الموقف التونسية بتاريخ 7 سبتمبر 2007، العدد 417

من الممتع حقا اكتشاف الأبعاد التي تأخذها العولمة كل يوم. لم تعد المسألة مقتصرة على الاقتصاد ولا على التبادل التجاري ولا على التصدي للاحتباس الحراري، فقد بدأ مفهومها في التوسع بطريقة مربكة وسريعة ليشمل تقريبا كل ميادين حياتنا اليوم. وفي موازاة ذلك أصبح من الصعب الاتفاق على تعريف واحد وجامع لها، حيث تكاد التعريفات الموضوعة تتعرض لنتائجها وانعكاساتها أكثر من انطباقها على هذه الظاهرة كمسار متحرك. يبدو ذلك نتيجة منطقية لزئبقية الظاهرة التي غدت ترمز اليوم إلى ضياعنا التاريخي. أين ذهبت الدول، وإلى أين رحلت القوميات، وماذا حل بالأمم والأوطان؟ إلى أية حدود ستصل درجة التحلل في الهياكل التي نظمت حياة البشر منذ عشرات القرون؟ ليس بالإمكان توقع درجة السوء التي ستوصلنا إليها العولمة وعمق البئر التي تردينا فيها.